كلمة الدكتورة سارة في حفل الختام(3)
أعزائي الحضور ..
حين يقلِّب المنصف صفحات التاريخ، فإنه يجد صوراً للرحمة، ظاهرة في حياة المسلمين، في كل شؤون حياتهم. وإن وجد مواقف توارت فيها الرحمة خلف العنف والقسوة، وتجاوز للحدود الذي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا مرده الجهل، أو التجاهل، من فئات محاصرة، لا تمثل إلا نفسها.
لقد عانت البشرية بكل أسف، مما أسماه د. نعوم تشومسكي، الإرهاب والإرهاب المضاد، فدفعت ثمنه غالياً، وكانت النتيجة مزيداً من العنف، ومزيداً من القتل، وفقدان الأمن.
لم يكن لهذه المعادلةـ أعني الإرهاب والإرهاب المضاد ـ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أي وجود، تجنب منذ اليوم الأول في دعوته، المعاملة بالمثل، ورفض بشدة مقابلة الإرهاب بالإرهاب.
منذ بدايات دعوته، قتل أعداؤه من أتباعه نساءً وشيوخاً، ولم يفعل هذا قط، أخرجوه من أرضه وبلده، ولما تمكن، لم يخرج أحداً منهم، فرضوا عليه، وعلى أتباعه سياسة التجويع ثلاث سنوات، وسعى غير مرة لرفع التجويع عنهم، حين فرضه عليهم زعيم بلاد اليمامة، وحاصره كفار قريش، لكنه طلب من أبي بصير أن يفك حصاره عنهم.
رفض النبي صلى الله عليه وسلم سياسة الإرهاب المضاد، وهو في أوج قوته، وعلَّم أتباعه، معنى الثبات على المبادئ، وحذر من تغيِّرها، بتغير الأحوال، ويذكِّرني هذا بقول المستشرق الإنجليزي بودلي، الذي ذكرته في المحاضرة الأولى، أو الثانية ( لقد تغيَّرت أحوال النبي محمد، ولم تتغير مواقفه ومبادئه).
يقدم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المسلك، أنموذجاً للبشرية، يؤكد فيه على أن في الرحمة قوة، وأثراً فاعلاً، قد يغني عن استعمال العنف، والقسوة، في حسم النزاعات، وتحقيق الأهداف.
إنها دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لأفراد البشرية، الذين أحبهم لممارسة الرحمة، بخاصة الأقوياء منهم، حتى يشعروا بالسعادة، وهم يرحمون الضعفاء، الذين سوف يسعدون أيضاً، وهم يذوقون حلاوة الرحمة.
اسمحوا لي أعزائي الحضور، بالقول إن ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم للرحمة، ونجاحه في تحقيق إنجازات كبيرة من خلالها، تفضح كثيراً من أصحاب القوة والنفوذ، الذين يتجاهلون سياسة الرحمة، ظناً منهم أنها بضاعة الضعفاء، وإنها لا تسهم في تحقيق الأهداف.
كان حظ الإنسانية سيئاً قبل ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهي ما بين قائد لا يعرف إلاَّ القوة، والبطش، مثل الاسكندر المقدوني، حين توهم أنه بهذا الأسلوب يسعد الإنسانية، لكنه فشل وتوارى خلف الزمن، وما بين قديس لا يعرف إلاَّ ممارسة الفضيلة في نفسه، ومن حوله، مثل بوذا، فكان أثره محدوداً، وغلب على أمره.
ثم جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرحمة والقوة معاً، فدعا إلى التراحم، ومارسه، وحماه بالقوة التي كانت محكومة بالرحمة أيضاً، فظهر التوازن، والتكامل، لأول مرة في تاريخ الإنسانية، وبه سعدت واستقام أمرها.
أيها الحضور الكرام، إذا كان فهم الحاضر، يستدعي استحضار الماضي، فإن فهم هذا الماضي يستلزم في كثير من الأحيان معرفة الحاضر.
لقد كدت أخدع وأتوهم أن البشرية عرفت في تاريخها شخصين باسم محمد، أحدهما الذي تحدثت عنه مئات المصادر الموثوقة على مدى مئات السنين، فقدمته لنا رجلاً رحيماً يبكي على قبر أمه، وقد تجاوز عمره ستين سنة، ويحتضن الأطفال ويُقبلهم، ويصغي إلى المرأة بكل لطف، حتى يحقق لها رغبتها، ويعفو عن أعدائه ويرحمهم، ويبعد الأطفال بنفسه عن الحروب والمخاطر، ويشفق على طير فيأمر برد فراخه إليه، ويشارك في أعمال بيته، من تنظيف، وإصلاح، وإعداد، ويموت وبعض ممتلكاته مرهون عند شخص يهودي، مقابل حفنات من شعير له، ولأفراد أسرته.
هذا هو محمد الذي عرفته، وعرفه ملايين الناس، منذ مئات السنين، أما الآخر، فلا يوجد، إلاَّ في أذهان، وأوهام، بعض الكتاب، من خصوم النبي، الذي قدموا له صورة مغايرة تماماً للواقع تقوم على قلب الحقائق، وعكس المواقف، وهم بهذا يسيئون إلى أنفسهم، وإلى البشرية التي ينتمون إليها.
ليأذن لي خصوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن أذكر لهم فقط، بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتلطف مع أشد خصومه، فهذا عبد الله بن أبي بن سلول، الخصم الأول للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، كلما أساء إلى النبي، وأراد قومه معاقبته، قال لهم ( بل نترفق به ونحسن صحبته)، ولما ظفر النبي صلى الله عليه وسلم بالخصم الأول له في مكة، أبو سفيان بن حرب، عامله كأنه ضيف، وأعلى من شأنه أمام قومه.
أيتها البشرية الحبيبة إلى قلبي، ابحثي في أسرع وقت ممكن، عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم إنه يملك ما يفتقده معظم أبنائك، ابحثي عنه حتى يتعلم منه هؤلاء، كيف يحبون، وكيف يخاصمون بالرحمة، وكيف يقاتلون بالرحمة، وكيف يحاورون بالرحمة، وكيف يحترمون الآخرين، وكيف يتلطفون مع المرأة، وكيف يحرصون على الأطفال.
لنبحث عنه جميعاً حتى نتعلم منه، كيف يرحم بعضنا بعضاً، ونحن قطعاً سنجده في كل موطن نريد أن نراه فيه، ولن يبخل علينا بشيء قط، لأنه يحبنا جميعاً، ويرحمنا جميعاً.
وهنا بدأ عليها التأثر الشديد، فانسحبت من المنصة، فتبعها تصفيق حاد من الحضور.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

