كلمة الدكتورة سارة في حفل الختام(2)
أيها السادة الكرام ..
تكشفت لي أمور كنت أجهل تفاصيلها، قبل هذه المحاضرات، منها ما يتصل مباشرة بما أسميناه سوء فهم النبي صلى الله عليه وسلم من قِبَل أناس لهم ثقافتهم المغايرة، وأكثرهم يعيشون في بلاد الغرب.
أرى من واجبي العلمي المحض، المساهمة في إزالة سوء الفهم هذا إن أمكن، من خلال ما قمت به من عرض للمعلومة الصحيحة، وإزالة ما يبدو أنه حواجز وهمية، أو مواقف مسبقة، وأحسب أن هذا العمل فاضل يخدم الإنسانية، خارج إطار الزمان والمكان، وقد ورد في الإنجيل ( أساس البر البحث عن الحقيقة والوصول إليها).
لقد تبين لي أيها الحضور الأعزاء، أن ليس لدى أحد من أفراد البشرية ، قديماً وحديثاً، أية مشكلة مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا هو كذلك، إنه محب للإنسان من حيث هو إنسان، قضى حياته كلها ينشر أخلاقاً يحبها الناس جميعاً.
كان يحب الحياة بكل معانيها، ويمارس الرحمة بكل مظاهرها، ويحترم رغبات الأفراد، صغيرها وكبيرها، والناس تحب من هذه حاله.
أذكِّر فقط أن النبي صلى الله عليه وسلم احترم رغبة جميلة بنت أبي سلول، حين طلبت منه أن يطلب من زوجها ثابت بن قيس أن يطلقها، لأنها اكتشفت أنه ليس الزوج المناسب لها بسبب شكله وقصره، فاستجاب لها النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وطلب من زوجها ثابت أن يطلقها ففعل، رغم المودة الحمية، بينه وبين ثابت.
إنني أجزم بلا تردد، وليس من عادتي الجزم في محاضراتي، أن محمداً صلى الله عليه وسلم يحب كل فرد من أفراد البشرية، وأن كل فرد سوي يبادله هذا الحب، حتى خصومه، فقد كان يكره فيهم المعصية، ولا يكرههم من حيث هم بشر، وخلق من خلق الله تعالى.
لقد مرت به جنازة يهودي، وهو جالس مع أصحابه، فوقف لها، فتعجب أصحابه، وقالوا: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً (1).
إنها الإنسانية بكل معانيها، والرحمة بكل أبعادها، فالرجل ميت، وذاهب إلى الدار الآخرة. فلا يتسع المقام إلاَّ احترام إنسانيته، ورحمة حاله.
اعترف أن لطائفة من القادة، والمفكرين، وبعض رجال الدين، موقف سلبي من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكل من هؤلاء له حساباته ومنطلقاته.
لست حريصاً على تفصيل القول في هذا الموضوع، ولم أُفصِّل القول فيه أثناء محاضراتي، وإنما مررت به مرور الكرام، بناءً على رغبة الحضور الكرام.
إن مشكلة من أشرت إليهم سابقاً، مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم تكمن في أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الانفتاح بين الشعوب، والأمم، لتصبح أمة واحدة، في حين يدعو بعضهم إلى التمايز، وإبراز الخصوصيات.
ربما ينظر بعض المفكرين، ورجال الدين، إلى دياناتهم، على أنها هي الوجه الآخر لقومياتهم، في حين أن هذا الشعور لم أجده أبداً، في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ترد عنه إشارات تتضمن تميز العنصر العربي.
إن الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسبه إلى نفسه أبداً، فلا يقال الديانة المحمدية.
لقد لمح هذا التوجه المفكر الألماني هيجل، وهو يتحدث عن الإسلام في كتابه المتميز دروس في فلسفة التاريخ، حين يقول إن الإسلام حطم كل خصوصية.
وأود أن أشير هنا، إلى أن الخصوصية التي حطمها الإسلام هي الخصوصية التي تؤدي إلى سلبيات مثل التفاضل بالجنس والأرض والعرق، أما ما عدا ذلك من خصوصيات فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برعايتها حق رعايتها، كاللغة واللباس، والعادات، والتي لا تُثير نزاعات بين أبناء البشرية.
هل يمكن القول إن جانباً من هذا الموقف السلبي تجاه النبي صلى الله عليه وسلم هو أننا أمام دعوتين: الأولى دعوة إلى الإنسانية والتراحم، ودعوة أخرى إلى التمايز والشعوبية والاستعلاء بسبب جنس أو إمكانات.
لم يقنع النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مارس الرحمة بأقواله، وأفعاله، وإنما ألزم بها أتباعه جميعاً، فلم يرض من أحدهم، أن يغفل عن الرحمة، في قول، أو فعل، مهما كانت الأسباب.
ظهر أثر هذا التوجه النبوي، لأن القرآن الكريم كان يسانده، بترغيب المسلمين بمتابعة نبيهم (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) (آل عمران: 31)، وبالترهيب تارة أخرى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63 ).
أسهم إلزام النبي صلى الله عليه وسلم هذا في تعميم ثقافة الرحمة بين الناس، وبدأت تتحول إلى خلق جماعي، وممارسة عامة بعد أن كانت خلقاً فردياً، وبدأ الناس يتقبلون بالتدريج، أن للرحمة مكاناً في معاملاتهم، وفي حروبهم، مسلمين كانوا، أو غير مسلمين.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

