كلمة الدكتورة سارة في حفل الختام(1)
انقضى الموسم الثقافي، وبقي منه حفل الختام، يحضره في العادة نخبة من المسؤولين في الجامعة، إضافة إلى المحاضرين والحضور.
جرت العادة أن يكون للأساتذة المحاضرين كلمة ضافية، رغب أكثرهم أن تكون من نصيب الدكتورة سارة، لاعتبارات منها أنها المرأة الوحيدة بينهم، ومنها أن محاضراتها كانت موضع اهتمام بعض وسائل الإعلام.
بدأت الدكتورة سارة كلمتها، فشكرت كل من يستحق الشكر بنظرها، وهم كثر، ثم قالت لا أهدف أعزائي الحضور إلى تقديم ملخص للمحاضرات التي ألقيتها على نخبة كريمة، ولا أظنكم ترغبون بهذا، فهي تسع محاضرات، تضمنت نصوصاً، وأقوالاً، وقصصاً، وأرقاماً، وربما لم أكن أرغب بهذا لتبقى المحاضرات متناسبة مع أهداف الموسم الثقافي، لكن طبيعة الموضوع، والحرص على التوضيح، فرض علينا نوعاً من العمق، ولقد أسعد الحاضرين هذا الطرح.
أرجو أن يأذن لي الحضور الكرام، بأن أضع بين أيديهم بعض انطباعات، تكونت لدي، وأفصح عن شعور أحسست به، بعد هذه الرحلة الشيقة، التي صحبني بها حضور كريم، كان له الأثر الواضح، في الوصول إلى نهاياتها الجميلة.
لقد انتابني شعور بالحزن، حين بخل التاريخ عليَّ بمعلومات عن كثير من العظماء، ثم ما لبثت أن غمرتني سعادة عظيمة، حين جاد التاريخ نفسه عليَّ بمعلومات وافية، كافية، تتضمن أدق التفاصيل عن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وأرى من واجبي، أن الفت أنظار البشرية جمعاء إلى هذا التراث العظيم، الذي قال عنه د. لويل ، صاحب كتاب قصة الحضارة، إنه بلغ عشرة آلاف مجلد، إنه بحق ملك للبشرية جمعاء.
لا أزعم أني تصفحت شيئاً يذكر من هذا الكم الهائل، ولكني وفقت في التجوال في حدائقه الغناء، وقطفت من زهورها ما يسر لي أن أخرج بتصور كامل متكامل، عما كنت أهدف إليه.
سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من حق الإنسانية كلها، فلقد كانت هذه الإنسانية حاضرة في كل قول صدر عنه، أو فعل قام به، يقتضي الإنصاف مني الاعتراف أن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت خارج الزمان، فلم تكن أسيرة وقت معين ترك أثره فيها، فارتبطت به، حتى إذا استدار الزمن استدارت معه، كما لم تكن هذه السيرة حبيسة مكان محدد، لاحظ لها في غيره، كما لم تكن أعزائي الحضور وليدة بيئة بعينها لا تصلح لغيرها.
إن الواقع المشاهد ليؤكد أنها أخلاق للإنسانية في كل زمانها ومكانها، وبيئاتها.
تحدث علماء الأخلاق أن للأخلاق دوافع دنيوية متعددة، لم يكن أيٌّ منها حاضراً في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فثمة دافع واحد لا غير، هو النبوة التي انبثق عنها الحب، ومن الحب كانت الرحمة، التي عمت مظاهرها البشر جميعاً، وتجاوزتهم إلى بقية المخلوقات، وما في ذلك من عجب، وقد قال له ربه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107).
رأى فيه معاصروه إنساناً بكل أحاسيسه ومشاعره، كان نبيلاً سيداً لرغباته، ضابطاً لانفعالاته، تبدو عظمته في واقعية تصرفاته وبساطتها، بكى بكل عفوية وصدق في مواطن يبكي فيها الإنسان النبيل، يحتضن طفلاً، ويقبله على مرأى من عِلية القوم، يرونها هم ساعة جد وعمل، وفي غمرة الأحداث، وذروة الاستعداد لقتال عدوه، يتفقد الصفوف، فيخرج منها الشباب الصغار ويأمرهم بالعودة.
ثم يخرج من بين جنوده رجلاً، ليمكث عند زوجته المريضة، ويأذن لآخر في البقاء عند زوجته لأنها على وشك الولادة، ويطلب من شخص ثالث، أن يلازم أمه المريضة.
يا لها أعزائي الحضور من مظاهر رحمة، فيها الصدق والعفوية، وفيها البساطة والواقعية، في كل موقف، رسالة رحمة، إلى القادة من بعده،إلى الأفراد، إلى الزوجات، وإلى الأمهات.
عاش النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ، والمسلمون في ضعف، وقلة، ثم عاش في المدينة، فكانت لهم دولة، وصولة، وكثر عددهم، فتغيرت أحواله، ولم تتغير أقواله، ولا أفعاله، ظل رحيماً، جد رحيم، بالمقربين، وبالأعداء، على حد سواء.
أخرجه أهل مكة منها، بعد تعذيب، وتجويع، ثم لما أصابهم الجوع، كان لهم عوناً، أخذوا أمواله، ولما تعثرت تجارتهم بسبب شروطهم هم في صلح الحديبية، تدخل فأنقذها لهم.
أليست البشرية بحاجة ماسة، إلى هذه الممارسات، إنها تؤكد بجلاء، أنه يمكن للمرء أن يستحضر الرحمة في كل أحواله، ويحقق ما يهدف إليه ، فهكذا كان النبيصلى الله عليه وسلم.
ما بال بعض القادة، والسادة، بل والأفراد، يرون الرحمة متضادة مع الحزم والعدل والخصومة.
لقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم البشرية، أنه في الوقت الذي تكون فيه العدالة واجبة، وينبغي أن تأخذ مجراها، علَّمها أيضاً بأقواله، وممارساته، أن الرحمة واجبة كذلك في الوقت نفسه، وبالمنزلة نفسها، وينبغي أن تأخذ مداها.
أحسب أن كثيراً من القادة، والرؤساء، غابت عنهم هذه المعادلة، فكان الخلل، واتسعت دائرة المشاكل، حين فقدَ التوازن، وغلب خلق أخلاقاً، أما النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الرحمة عنده أولاً، لكنه عاقب حيناً، وقسا ساعة من نهار حتى لا تتوارى الرحمة، ويظن أنها بضاعة الضعفاء، لا تنفرد بالميدان، فيساء فهمها، ويساء توظيفها.
لهذا قاتل في مواطن عدوه، حين دُفع إلى ذلك دفعاً، لكنه كان قتالاً رحيماً، فعلى مدى ثلاثة وعشرين عاماً، قتل من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وخصومه في معاركه كلها، قرابة ألف شخص فقط، إن هذا العدد يقتل في حروب هذا العصر في دقائق معدودة.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

