تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

الرحمة بالقوارير(3)

العربيةقراءة ٨ دقائق

  المحاضرة التاسعة
الرحمة بالقوارير(3)

أعزائي الحضور ..
قد يكون من العسير تفهم واستيعاب هذه المواقف النبوية مع النساء من قبل أولئك، الذين جعلوا في أذهانهم مواصفات للعظمة، من خلال زهد بوذا، وهجرانه لزوجته، أو من خلال احتقار بعض العظماء للمرأة وتجاهلها، والنظر إليها على أنها مجرد أداة للمتعة، أو آلة للإنجاب، ولهذا لا ينبغي التشاغل بها كما مرَّ بنا سابقاً.
إن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى المرأة على أنها نصف الدنيا، حين عد النساء شقائق الرجال، فقال ( النساء شقائق الرجال)(1).
وكم أعجبني وصف النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بالقوارير، والقوارير جمع قارورة، وهي الإناء من الزجاج، وهو عرضة للكسر، بسبب رقته وضعفه، وهذا يقتضي معاملته بلطف والترفق به، وهكذا كان ينظر النبي إلى النساء.
تحدث أنس بن مالك، قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، ومعه غلام أسود يقال له، أنجشه يحدو – أي ينشد-، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا أنجشة رويدك ، ارفق بالقوارير )(2).
لقد قرأت في شروح هذا الحديث، فخرجت بما يلي(3) ، قال بعض الشراح، إن أنجشة كان حسن الصوت، وكان يحدو بهن، وينشد شيئاً من الشعر، وربما فيه بعض الغزل، فلم يأمن النبي صلى الله عليه وسلم أن تتأثر النساء بما يسمعن، لحسن صوت أنجشة، ولأثر الكلام الذي يقوله، فطلب منه الكف عن هذا رحمةً منه بالنساء.
وقرأت فهماً آخر للحديث وهو أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي، وهذا يسبب إزعاجاً للراكب عليها، وربما يسقط عنها، وهذا قد يؤدي إلى سقوط النساء عن الإبل، ولهذا طلب من أنجشه أن يتوقف، وأنا أعتقد أن التوجيهين مقبولان، ولكن أياً كان، فإن الدلالة واضحة على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء وخوفه عليهن في كل الأحوال.
ونرى أسماء بنت عميس، تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستشيره في مسألة جد شخصية، بشأن زواجها، فقد تقدم لها اثنان من الصحابة، هما معاوية وأبو جهم، فرغبت في أخذ رأي النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه. فقال لها: لا هذا ولا ذاك، فإن معاوية لا مال عنده، وأما أبو جهم فهو شديد في معاملة النساء، وأشير عليك أن تتزوجي أسامة بن زيد(2)، فأخذت بمشورة النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجته.

هذا موقف يستدعي التأمل، ويثير الإعجاب، فإن هذه المرأة تعلم، كما تعلم غيرها من النساء كثرة المهام الجسام المنوطة بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومع هذا كان لديهن شعور بأن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يقتطع لهن جزءاً من وقته.
وهذه امرأة أخرى، تأتي تستشير النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ، فيرى أن استشارتها نابعة من رحمة كامنة في نفسها، فيفسح لها المجال، لممارسة هذه الرحمة بكل طمأنينة.
إنها أعزائي الحضور، زينب زوج الصحابي المقرب من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود، فقد رغبت أن تتصدق بشيء من مالها، ولكنها في الوقت نفسه، ترى أن زوجها وابنها بحاجة إلى هذه الصدقة، فيتجاذبها شعوران، شعور بالرغبة في التصدق على بعض الفقراء، رغبة في الأجر، وشعور آخر بدفع هذا المال إلى زوجها وابنها رحمة منها بهما.
فما كان أمامها إلاَّ أن قصدت بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، تسأله عن هذا النوع من الصدقة، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم رسالتها، كما يقولون، وأخبرها أن لها في صدقتها هذه أجرين أجرُ القرابة وأجرُ الصدقة (1). فرجعت مسرورة بهذا التوجيه النبوي، الذي بث فيه النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة بين أفراد الأسرة الواحدة، وجعل لهذه المرأة الفاضلة مخرجاً حسناً في هذا الأمر الذي كان يشغل بالها.
إن النبي صلى الله عليه وسلم رحم أسماء وأشفق عليها، حين نصحها بعدم الزواج من معاوية، بسبب فقره، حتى لا تعيش حياة صعبة، كما رحمها مرة أخرى، حين نصحها بعدم الزواج من أبي جهم، فإنه وإن كان ذا مال، إلا أنه قاس في معاملة النساء، ولا يرضى لها النبي صلى الله عليه وسلم الحياة مع زوج هذه صفته.
يتفطن هذا النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم إلى بعض النساء اللاتي لا يملكن الملابس المناسبة لحضور بعض المناسبات، كالأعياد ، فيقول لأم عطية(2)، وقد تحدثت معه في هذا الأمر، لتلبس المرأة أختها من ملابسها، وهذه الفتة حانية من قلب رحيم، نفذ ببصيرته إلى عالم المرأة، فوجه هذا التوجيه الحكيم، الذي جبر فيه خاطر بعض النساء، ورفع عنهن الحرج، وسن بين النساء سنة لطيفة يحسن بالنساء التنبه إليها.

عندما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، هرب منها عكرمة بن أبي جهل، أحد أشهر خصومه، وهام على وجهه، قاصداً جهة اليمن، وإذا بزوجته أم حكيم، وكانت قد أسلمت. تذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتتوسل إليه أن يعفو عن عكرمة، وتقول له : يا رسول الله، قد هرب منك عكرمة إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمنه، فرحم النبي صلى الله عليه وسلم حالها وقدر وضعها، فقا لها بلا تردد هو آمن.
خرجت أم حكيم في أثر زوجها، فأدركته، وقد ركب البحر، فقالت له، يا ابن عم: جئتك من عند أوصل الناس، وأرحم الناس، وخير الناس، فلا تهلك نفسك.
عاد عكرمة مع زوجته، البارة الوفية أم حكيم، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي معه، فلما دخل عكرمة على النبي صلى الله عليه وسلم، قام النبي مسرعاً إليه ومرحباً به، لشدة سروره بقدومه. فقال عكرمة: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت أنت آمن، فأسلم وحسن إسلامه(1).

كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم أن يوسع دائرة الرحمة هذه، ليتعامل بها أصحابه مع النساء، لأنه يرغب في نشر ثقافة الرحمة بالمرأة على واسع، وهو ما تمثل في طلبه من بعض أصحابه التخلف عنه في سفر، أو قتال لرعاية النساء رحمة بهن، وتقديراً منه لظروفهن.
فقد أذن لعدد من أصحابه، بالتخلف عن القتال معه، بل طلب منهم هذا، بسبب ظروف زوجاتهم، فقد تخلف عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه بسبب مرض زوجته(2)، وأذن لأبي طلحة رضي الله عنه أن يتخلف عنه في المسير ليبقى بجانب زوجته، التي كانت على وشك الولادة (3). كذلك طلب من أبي أمامه أن يبقى مع أمه المريضة، ولا يخرج معه للقتال(4).
ورد النبي صلى الله عليه وسلم من هاجر إليه، دون إذن أبويه، بخاصة عندما علم النبي صلى الله عليه وسلم منه أن أمه بكت لفراقه(1)، وقدم على النبي رجل يطلب البيعة على الهجرة، فقال وما جئتك حتى أبكيت والديَّ، فقال: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما(2).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواسي النساء اللاتي فقدن أحد أقاربهن في قتال مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يكثر الدخول على بيت أم سليم، فقيل له لمَ تخص أم سليم، فقال: إني ارحمها قُتل أخوها معي (3).

أعزائي الحضور الكرام ..
بقيت مسألة في حديثنا، عن مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء، وأنا أعتقد أنها تدور في أذهان الكثير منكم، بخاصة النساء، أذكرها بصيغة سؤال كيف نوفق بين حرصه على رحمة النساء، ومراعاته الدائمة لشعورهن وبين ما نعرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه لما توفى كان عنده تسع زوجات.
لا يطرح الحديث عن المرأة في الإسلام، أو عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلاَّ ويطرح هذا الموضوع مباشرة، وهو ما يدعو إلى الاستهجان في رأيي.
أود أن أستأذنكم في ذكر ما يشبه الميزان في الحكم على الأشياء، وسوف أعرضه لكم من خلال فائدة تنبهت إليها وأنا أقرأ كتاباً جميلاً ذا حجم صغير، وهو كتاب الأنماط البشرية، لعالم الاجتماع الانيوزلاندي رايموند فيرث .
جاء فيه قول المؤلف ( لما نزلت إلى ميناء في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، رأيت لافتة كتب عليها لانتظار البيض فقط، ثم رأيت لافتة أخرى لا تبعد عنها كثيراً، وقد كتب عليها لانتظار الملونين فقط، والناس يتقبلون هذا الوضع بلا حرج، ولا استنكار، وقد كان هذا موضع استهجاني وعجبي، لأنني من بلد لا يعرف هذا التقليد، ولا يقر هذا التمايز (1).
ثم انتقل بنا المؤلف إلى الهند، وذكر أن الجنود الإنجليز لما وصلوا إلى الهند، تعجبوا كثيراً من وضع البقرة في المجتمع الهندي، حين كانت تتجول في الأسواق، وتعامل بكل تقدير واحترام، وقد اعتادوا أن يروها في الحقول، والحظائر للحرث والحلب.

ولما توج ملك وملكة انجلترا سنة 1937م ، وقام الجنود بذبح الأبقار، ثار الهنود ، وحصلت مصادمات لم يستوعب أسبابها الجنود الإنجليز (1).
لقد اختصر علينا صاحب كتاب الأنماط البشرية الحديث، ووفر علينا بعض الوقت، حين لفت الانتباه، إلى ضرورة استحضار الواقع الاجتماعي المألوف عند تقويم مسلك ما.
لقد كان التعدد مألوفاً، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج على المألوف في مجتمعه، فقد كان لا حصر لعدد الزوجات، ثم قصره الإسلام على أربعة فقط، وخص الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يبقى على ما كان عليه الوضع، لأسباب وحكم كثيرة منطقية ومعقولة.
أنا هنا أبحث مسألة يفرض علينا الإنصاف والبحث العلمي المجرد، قول الحقيقة فيها، ولكني قطعاً أحب أن أبقى الزوجة الوحيدة لا يشاركني أحد في زوجي، وهذا أقوله أصالة عن نفسي، ونيابة عن الحاضرات جميعهن. فضحك الحاضرون، وتبادلوا عبارات اختلط بعضها ببعض وتعذر فهمها.
ما رأيكم لو ذكرت لكم في هذا الموطن، بعض المعلومات الدقيقة، والتي أعرفها لأول مرة منذ عدة أسابيع، وربما لم يسمع بها بعضكم.
لقد اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على زوجة واحدة ، وقد تجاوز عمره الخمسين سنة، وهذه الزوجة هي خديجة ، توفيت وعمرها 65 سنة(1).

ثم تزوج بعدها امرأة أخرى، هي سوده بنت زمعة ، ولما تزوجها قال كفار قريش ( عجباً لأمر محمد يتزوج امرأة أرملة مسنة ليست ذات جمال)(2)، وبقيت وحيدة عنده ثلاث سنوات، وقال المقربون إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها رحمة بها لأنه توفى زوجها، وبقيت وحيدة ليس لها أحد.
خلاصة القول أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ من العُمْرِِ 53 سنة، ولم يكن قد جمع أكثر من امرأة في بيته، ثم دعت الضرورة ، ومنها الرحمة بالنساء، وبأقوامهن أن يجمع هذا العدد عنده.
لقد كانت الرحمة حاضرة في كل قصة زواج للنبي صلى الله عليه وسلم، ويمكنكم أعزائي الحضور الحصول على مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع إن أردتم .
واسمحوا لي أن أقول شيئاً في هذا المقام، ولا أود أن أظهر بثوب الواعظة أعزائي، إن رحمة الرجل بالمرأة واحترامه لها سواءً أكانت زوجة، أم أماً، أم بنتاً، أم أختاً، أم غير ذلك، تحكمها اعتبارات، وتمليها قناعات، رأيناها واضحة المعالم في سيرة النبي مع المرأة، وأظنها رسالة واضحة للبشرية جميعها.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع