تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

الرحمة بالقوارير(2)

العربيةقراءة ٦ دقائق

  المحاضرة التاسعة
الرحمة بالقوارير(2)

أعزائي الحضور ..
ذهبت المرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها وتبثه همومها، وذهبت أخرى تشتكي أباها، وثالثة اشتكت أخاها، ورابعة اشتكت إليه قريبها، إنها وقائع تكشف عن مدى ثقة النساء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعن علمهن بسعة صدره تجاه مشاكلهن، وعن تعاطفه معهن، ورحمته بهن.

هذه جميلة بنت سلول، صلَّت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ثم خرجت وانتظرته قريباً من باب بيته، فلما رآها، قال: من جميلة؟ قالت: نعم يا رسول الله ؟ قال: ما وراءك؟ قالت: زوجي ثابت يا رسول الله ؟ قال لها: ما شأنه، قالت: لا أعيب عليه شيئاً في خلقه، ودينه، ولكني لا أحبه، ولا أطيقه. قال لها: وما ذاك، كأنه يود أن يعرف السبب إذا أمكن ذلك.
قالت له بكل صراحة، لقد نظرت يا رسول الله من نافذة بيتي فرأيته قادماً مع أربعة من الرجال، وإذا به أقصرهم، وأشدهم سواداً، وأقبحهم منظراً، فكرهته.
فلما سمع كلامها هذا، ما زاد على أن قال لها: أتردين عليه حديقته، يقصد المهر الذي دفعه لها؟ قالت نعم. فأمره فطلقها(1)
يا لها من حادثة عجيبة، ما بال هذه المرأة لم تشتك زوجها إلى أبيها، أو أخيها، أحسب أنها لا تجرؤ أن تقول لهما ما قالت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو لا يخلو من إحراج لها، ويجعلها عرضة للوم أو عتاب ، لأنه تصرف لا يليق بالمرأة في عرف المجتمع.

نظرت جميلة حولها، للبحث عمن تبث له همومها وشعورها الأنثوي، فلم تجد غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد كان عند حسن ظنها، وهو كذلك ، فإنه لم يعاتبها على صنيعها، بل لم ينصحها بالعدول عن رغبتها بفراق ثابت، واكتفى بالإشارة إلى حق زوجها رحمةً به، إذ لا يعقل أن يخسر زوجته، ويخسر معها حديقته.
لقد رحم النبي صلى الله عليه وسلم حالها ، وتفهم شعورها، ولم يغب عن خاطره أيضاً أن يستحضر رحمته هذه، وهو يكلم زوجها ثابت بالأمر، فقد استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا ثابت، جاءتني جميلة وقالت ما شاء الله لها أن تقول، وأنا أطلب منك أن تطلقها، وتأخذ حديقتك، قال أفعل يا رسول الله.
ولعلكم لاحظتم كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له ما قالت زوجته عنه، رحمةً به وحتى لا يجرح شعوره، بقي أن أذكر لكم أن ثابتاً هذا كان الناطق الرسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم في مصطلحات العصر.

لقد كان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم في المحافل العامة، وهل تعرفون من أبو جميلة هذه، إنه عبد الله بن أبي بن سلول، إنه أحد زعماء قومه، قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأشد خصوم النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة على الإطلاق، لقد كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن فوق كل اعتبار.
فلم ينتصر لزوجها ثابت، رغم قربه منه، ومحبته له، ولم ينتقم من أبيها عبد الله بن سلول، رغم عداوته له، فلم يلتفت في تلك الساعة إلاَّ إلى المرأة جميلة فقط فأنصفها.
هذه واحدة أخرى تشتكي، أباها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إنها (1) خنساء بنت خذام، فقد جاءت إلى النبي تشتكي أباها، قائلة: إنه زوَّجها من شخص لا تحبه، ولم يأخذ رأيها، فأبطل النبي النكاح مباشرة دونما نقاش.
لقد أكد النبي صلى الله عليه وسلمبهذا التصرف، أن عهد العبودية للفتاة من قبل أبيها، أو غيره، قد ذهب دونما رجعة، ولهذا أبطل هذا النكاح، رحمةً منه بهذه الفتاة، لأنه تصور كيف ستكون حياتها مع زوج لا تحبه.

أما هند بنت عتبة، فقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي إليه بخل زوجها أبي سفيان، قائلة: إنه لا يعطيني ما يكفيني، ويكفي ولدى، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم خذي من ماله ما يكفيك، ويكفي ولدك دون إذنه (2)ـ فإن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم تأبى عليه أن تعيش في كنفه امرأة تعاني هي وولدها، ضيق العيش، وزوجها قادر على أن ينفق عليهما، لكنه يبخل.
معنا واحدة أخرى تفر من قومها ـ لأنها مسلمة وهم كفار، وكانوا يضايقونها ـ إلى النبي، إنها أم كلثوم بنت عقبة، فقد غادرت مكة مهاجرة إلى المدينة، بعد أن وقع النبي المعاهدة مع قريش، والتي كان من ضمنها أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم من يأتيه مسلماً من أهل مكة.

لما جاءت أم كلثوم مسلمة لم يردها النبي صلى الله عليه وسلم بنص القرآن الكريم: ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ...) (الممتحنة : 10 )، وتم استثناء النساء من هذا الشرط، وقال لقريش إنما الشرط في الرجال، رحمة بهن، وتقديراً لحالهن، رغم أنف قريش(1).
أما أم هانئ بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد جاءت إلى النبي تشتكي أخاها علياً(2)، حيث لم يُقم لها أي اعتبار، حين أراد يوم فتح مكة أن يقتل اثنين من أقارب زوجها استجارا بها، ودخلا بيتها. فأغلقت عليهما باب بيتها.
جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعة، وقالت له، وهي غاضبة، إن ابن أمي هذا وتقصد أخاها علياً، لكنها لم تشر إليه بالأخوة، لأنها غاضبة منه، إنه يريد أن يقتل من استجارا بي، وطلبا الحماية مني، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ أن تبسم، وقال لها، قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، فجبر خاطرها، ولبى طلبها.
فخرجت من عنده وهي مسرورة فخورة بما حققت، ولعلها لا تدري أن رحمة النبي بالمرأة وحرصه على أن يرد لها الاعتبار الذي فقدته في الجاهلية، كان السبب فيما حصلت عليه من تلبية لطلبها.

حظيت المرأة بنظرة حانية من النبي صلى الله عليه وسلم، لم تحظ بها في تاريخها الطويل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقف إلى جانب المرأة ، يهدم أعرافاً، عاشت عليها المجتمعات قروناً، ولم يألُ جهداً في وضع المرأة الموضع اللائق بها، مستخدماً وسائل عدة، لأنه كان يرحم حالها الذي آلت إليه.
بدأت معاملته الحسنة مع أهل بيته، وحث الناس على هذه المعاملة، فكان مما قال ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)(1). ونقلت عنه زوجه عائشة ، أنه ما ضرب امرأة قط في حياته كلها(2).
هذه رسالة رحمة يبعثها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل زوج، وأب، بل إلى كل رجل، وإلى البشر جميعاً، أضيف إليها رسالة رحمة أخرى، وتعاون تحملها معلومة أكيدة، أهديها إلى الرجال في هذه القاعة بخاصة، تقول ( كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بيته في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة، قام إلى الصلاة )(3).

كان النبي صلى الله عليه وسلم يرحم نساءه، ويساعدهن في أعمال البيت، لشعوره بحاجة الزوجة إلى هذا العون، وهذا العمل لا يتنافي مع العظمة، ولا مع الرجولة، كما يتوهم بعض الأزواج، وأرجو من النساء أن لا يثرن مشاكل في البيت بعد سماع هذه المعلومة.
حث النبي صلى الله عليه وسلم على ملاطفة المرأة، وملاعبتها، حتى قال كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب، إلاَّ أن يكون أربعة، وذكر منها ملاعبة الرجل امرأته(4).
لقد أعجبت كثيراً بتوجيه نبوي كريم، وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجال، وكان أول من عمل به، وهو عدم الدخول على الزوجات فجأة، بعد المجئ من السفر، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تطرقوا النساء ليلاً، وكان يرسل مؤذن)(1) ليبلغ الزوجات أن الأزواج قدموا من السفر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه هو وأصحابه إلى المسجد، يصلي فيه قليلاً ، ثم يتوجه هو وأصحابه إلى بيوت الزوجات، اللاتي ما أن يسمعن بمقدم الأزواج، حتى تبادر كل واحدة منهن بتهيئة نفسها لزوجها، وهذا من النبي صلى الله عليه وسلم قمة في الذوق وغاية الرحمة والتلطف، ويُعد من التصرفات الراقية في هذا العصر.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب نساءه، وندع زوجه عائشة تروي لنا هذه القصة، حين تقول، خرجت مع النبي في بعض أسفاره، وأنا جاريه لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس تقدموا، فتقدموا، ثم قال لي تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت، ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس، تقدموا، فتقدموا، ثم قال لي تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك ويقول هذه بتلك(2).



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع