تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

الرحمة بالقوارير(1)

العربيةقراءة ٥ دقائق

  المحاضرة التاسعة
الرحمة بالقوارير(1)

أعزائي الحضور الكرام ..
أحييكم أجمل تحية، وأرحب بكم في هذه المحاضرة التاسعة والأخيرة، أرجو أن ينال حديثي فيها الإعجاب، وأن لا يتبعه من أحد عتاب، وأعني بهم السادة الرجال في القاعة، حيث إن محاضرة اليوم تعرض لمظاهر رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنساء.
قالت وهي تبتسم للحضور، يحتمل أن يبادر بعض الحاضرين فيسأل عن سبب تخصيص هذه المحاضرة لهذا الموضوع، وهو سؤال مشروع، بغض النظر عن نية صاحب السؤال، ولا أقول صاحبة السؤال، وهنا ضحك الحاضرون، وتبادلوا بعض العبارات التي لم يكن من السهولة فهمها.
صمتت الدكتورة سارة قليلاً، ثم قالت: كنت قد كتبت منذ سنوات، بحثاً عن دور المرأة في التغيِّر الاجتماعي، ولقد استرعى انتباهي آنذاك، أن المرأة لم تحظ بمنزلة رفيعة لدى كثير من العظماء، وصُنَّاع التاريخ.

كنت قد تذكرت قولاً مأثوراً نحفظه جميعاً، وهو وراء كل رجل عظيم امرأة. ولكن لا اخفي عليكم أني نظرت خلف كثير من العظماء، فلم أرَ تلك المرأة التي يتحدثون عنها.
فلا أدري هل كانت المرأة موجودة خلف هؤلاء العظماء، ثم عملوا على إخفائها، إهمالاً لها، أو أنها لم تكن موجودة أصلاً، تساؤلات مشروعة.
ليت الأمر اقتصر على هذا التجاهل، من قبل هؤلاء، وإنما رأيته يتجاوزه إلى حد الازدراء والإهمال، حتى بدا لي أن ثمة ثقافة توجه بعض هؤلاء على مرَّ التاريخ، مفادها أن العظمة والمرأة متضادان، فكأنه من أجل أن يكون المرء عظيماً، لا مناص له من أن يبتعد عن المرأة، ويبرأ منها، وأن يظهر أنها لا تعني له شيئاً، يذكر ولو في الظاهر.

لعلكم تذكرون أن بوذا، بدأ طريقه إلى العظمة والقداسة ـ كما يرى ـ ، بهجران زوجته، وظن أتباع المسيح، أنه لهذا الغرض لم يتزوج، وبنو على هذا الوهم، أوهاماً تقوم على إهانة المرأة واحتقارها، فهذا القديس بنوفنتور يقول لتلاميذه إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون إنساناً، ولا حتى كائناً بشرياً، إنما الذي ترونه هو الشيطان بعينه.
ويبدو أن هذه الثقافة قديمة، فهذا سقراط يقول، مسكين الرجل، إنه يقف حائراً بين أن يتزوج، أو أن يبقى عازباً، وهو في الحالتين نادم .
وهذا أيضاً كونفوشيوس، فيلسوف الصين الشهير يقول على المرأة أن تطيع زوجها طاعة عمياء، وعليها أن تذوب في خدمته، حتى يتلاشى وجودها تماماً، ويبقى الرجل واحداً لا شريك له.
وهذا نابليون يقول ( إنهم في فرنسا يبالغون في تعظيم المرأة، وإنما الواجب أن لا ينظر إليهن كأنهن مساويات للرجل، فما هن في الحقيقة إلا آلات لإخراج الأطفال)(1).

كأن العقاد وقف على هذه الحقيقة المؤسفة، فقد نقل عن صاحب كتاب التاريخ الموجز للنساء ما نصه ( إن عصر الفروسية كان معروفاً بما لحظ فيه من فقدان الشباب على الجملة الاهتمام بالجنس الآخر).
لعلنا نُقُّل من الدهشة لذلك لو أننا وعينا كلمة الفروسية، وذكرنا أنها لم تكن ذات شأن بالسيدات، كما كانت ذات شأن بالخيل، على خلاف ما يروق للكثيرين أن يذكروه، فقلما بلغ الاهتمام بالمرأة، مبلغ الاهتمام بالحصان في عصر الفروسية.
ثم يسوق الأستاذ العقاد، حادثة من كتاب أغاني الآداب والتحيات، يروي فيها أن ابنة أوسيس جلست في نافذتها، ذات يوم، فعبر بها فتيان هما جاران وجربرت، وقال أحدهما ( انظر، انظر يا جربرت، وحق العذراء ما أجملها من فتاة، فلم يزد صاحبه على أن قال يا لهذا الجواد من مخلوق جميل، دون أن يلتفت بوجهه.
عاد صاحبه يقول مرة أخرى: ما أحسبني رأيت قط فتاة بهذه الملاحة، ما أجمل هاتين العينين السوداوين، وانطلقا وجربرت يقول ما أحسب أن جواداً قط يماثل هذا الجواد.

يعلق الأستاذ العقاد على هذه الحادثة قائلاً : وهي حادثة صغيرة، ولكنها واضحة الدلالة، إن قلة الاهتمام، تورث الازدراء، ثم أورد حادثة أخرى، جاء فيها أن الملكة بلانشفلور ذهبت إلى قرينها الملك بيبن، تسأله معونة أهل اللورين، فأصغى إليها الملك، ثم استشاط غضباً، ولطمها على أنفها بجميع يده فسقطت منها أربع قطرات من الدم، وصاحت تقول شكراً لك، إن أرضاك هذا ، فأعطني من يدك لطمه أخرى حين تشاء(1)
أعزائي الحضور ..

إن المتأمل في هذه الأقوال، والأخبار، يكاد ينشأ لديه شعور أن ليس للمرأة حضور في حياة العظماء، وكأن المرأة تسيء إلى العظمة إذا ذكرت معها.
لقد أثار عجبي أن مظاهر التطاول على المرأة لم تقتصر على الأفراد، حتى يقال إنها نزوات من أشخاص، لقد تجاوزت الأفراد إلى جهات مسئولة، ذات منزلة في مجتمعاتها.
فقد قرر المجمع الكنسي، المعروف بمجمع ماكون في القرن الخامس الميلادي، بحث مسألة هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه، أم أن لها روحاً، وأخيراً قرروا أنها تخلو من الروح الناجية من عذاب جهنم، ما عدا مريم أم السيد المسيح(2).
ولقد أصدر البرلمان الإنجليزي قراراً في عهد هنري الثامن عشر، ملك انجلترا، يحظر فيه على المرأة أن تقرأ كتاب العهد الجديد، ورسل السيد المسيح (3).
أذكر لكم أعزائي الحضور هذا، وأذكر بجانبه أن النسخة الوحيدة المعتمدة من القرآن الكريم كانت محفوظة عند السيدة حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم محمد وابنة الخليفة عمر بن الخطاب.

إذا صح هذا التحليل، فإنه لأمر مخجل بحق، أن نرى مثل هذا التوجه، ولا أتردد بالقول، إنه شرخ في العظمة، ويسيء إليها، فهو في أقل أحواله ينال من الدوافع، ويظهر عجزاً في الوصول إلى التكامل والتوازن، ويصبح من حق المرأة في وضع كهذا، أن تعرض عن هؤلاء العظماء، وتنزع الثقة منهم.
أين يقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم مما قيل ، هل كان كغيره من القادة، لا حظ للمرأة عنده، وهل صحيح ما يقال إن المبادئ التي جاء بها النبي محمد لا تحترم المرأة وتضطهدها.
تلك المقدمة، وهذه الأسئلة، والرغبة في تلطيف الجو بعد الطرح الأكاديمي اجتمعت كلها فجعلت الحديث عن المرأة مناسباً .

آمل أن يظهر هذا الموقف، من خلال عرضي لبعض الأحداث التي كانت المرأة فيها طرفاً، لا أود في هذا المقام الحديث عن المكانة الرفيعة التي منحها الإسلام للمرأة، بخاصة إذا قارنا هذه المكانة مع ما كانت عليه في الحضارات السابقة، فتلك أمور باتت معروفة مألوفة دلت عليها نصوص، وأكدتها أحكام يعمل بها منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشهد لها خصوم النبي صلى الله عليه وسلم قبل أتباعه.

لقد رأيت ـ من خلال النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن للمرأة ـ جنس المرأة ـ مساحة في حياته، واهتماماته، لا يزاحمها فيها أحد، حتى في الأوقات الحرجة، واشد ما أثار إعجابي أن المرأة نفسها شعرت بأن لها حظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة أكثر من تلك التي يمنحها لها أقرب الناس إليها.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع