تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين

العربيةقراءة ٨ دقائق

  المحاضرة الثامنة
وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين
(2)

المظهر الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفضح أمرهم بين الناس، فقد كان يعرف أسماءهم، حين أخبره الله بهم، ولكنه ستر عليهم، وهذه رحمة بارزة بهم، وهي رحمة بأقاربهم المسلمين الصادقين، دفعاً للحرج عنهم.
المظهر الثاني : لم يقتل أحداً منهم، مع أنهم يستحقون القتل، لأنهم أشد خطراً عليه، من الكفار البعيدين، فقد تركهم وشأنهم، وكان يعاملهم كما يعامل المسلمين.
المظهر الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوبخ المنافقين، دون توجيه الكلام إلى أحد منهم صراحة، ولكنه كان يحذر من النفاق، ويقرأ عليهم آيات الوعيد، وينذرهم بالعذاب الشديد الذي ينتظرهم، ولقد أثمر هذا الأسلوب، وترك عدد منهم النفاق، وحسن إسلامهم، فكان الستر عليهم، وعدم قتلهم رحمة بمن راجع نفسه، وتاب إلى الله وحسن إسلامه.
تدعو الأمانة العلمية، واحترام الحاضرين الكرام، أن أشير إلى أن بعض العلماء اعترف بهذه المواقف ولكنه اعترض على اعتبارها من مظاهر الرحمة لأن المنافقين لا يستحقون الرحمة (2)، وهي على أية حال، تبقى وجهات نظر.
الصنف الرابع:

الذي نَعِم برحمة النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ويمكن أن نعرض هذه الرحمة ضمن المظاهر التالية:
المظهر الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم خصهم بما لم يخص به العرب ـ أهله وعشيرته ـ ، حين قبل منهم البقاء على دينهم، ولم يقبل هذا من العرب، حين خيرهم بين الإسلام أو القتال.
في حين خير اليهود والنصارى بين الإسلام، أو الجزية، وهي مبلغ يدفعونه، مقابل حماية المسلمين لهم.
واسمحوا لي أن انتقل من عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى القرن السابع الهجري، حين دخل هولاكو بغداد، وأسر عدداً من المسلمين،والنصارى، واليهود، فذهب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية يطالب بطلاق سراح الأسرى، قال له هولاكو نطلق سراح المسلمين، ونبقي اليهود والنصارى، فلا شأن لك بهم، فرفض ابن تيمية هذا العرض، وقال يطلق هؤلاء قبل المسلمين، لأنهم في حماية المسلمين، وتحت رعايتهم، فأعجب به هولاكو، وأطلق سراحهم جميعاً(1).

المظهر الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام العدل بين من كان يعيش منهم بكنفه، وقد أوصاه الله بهذا، فقال له: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(المائدة:42 ).
المظهر الثالث : حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعامل أهل الكتاب، معاملة حسنة، وسعى إلى إغلاق الأبواب التي تؤدي إلى إلحاق الأذى بهم، ولقد وقفت على رواية مفادها، أنه كان في المدينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم جالية نصرانية صغيرة، تسكن في حي يسمى سوق النبط (1).
ولا أذكر حتى هذه اللحظة أنه قتل نصراني واحد عند النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولكن للأسف الشديد قتل الكاثوليك زمن كارلوس الخامس عام 1521م أكثر من نصف مليون من النصارى البروتستانت، كما بلغ عدد من أحرقوا بالنار 230 ألف من البروتستانت أيضاً (2).
وتدلنا أعزائي الحضور ، مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم لوفد نصارى نجران، على حسن معاملته للنصارى في عصره، وهي منطقة قريبة من مكة، كان أهلها نصارى، جاءوا إلى المدينة، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وتلطف معهم، وأوضح لهم معالم الحق، ثم تركهم بعد ذلك على ما يرغبون، فاختاروا البقاء على دينهم ، فتركهم وشأنهم، ثم طلبوا منه أن يرسل معهم أحد أصحابه يستعينون به في إدارة أمورهم، وحل مشاكلهم، فقال , سوف أرسل معهم رجلاً أميناً، فأرسل معهم أبو عبيدة بن الجراح، وقال هذا أمين هذه الأمة(3)

لقد عفا عن المرأة اليهودية، التي قدمت له طعاماً مسموماً(4)، وعفا عن لبيد اليهودي، الذي حاول إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر لزوجه عائشة أنه عفا عنه لأنه لا يريد أن يثير الناس رحمة بالجميع.
المظهر الرابع : كان من أهداف القرآن التي عمل النبي صلى الله عليه وسلم على إنفاذها، دمج أهل الكتاب في المجتمع، عن طريق الإذن بالزواج من نسائهم، والسماح بمخالطتهم، اجتماعياً، حين أباح الأكل من طعامهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي دعوتهم إلى الطعام، ويزور مرضاهم، ويواسيهم في مصابهم ، ولقد تعاطف القرآن الكريم مع نصارى نجران الذين أحرقهم ملكها بسبب إيمانهم وتوعده الله بالعذاب.
المظهر الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأهل الكتاب ما أصاب دينهم من تحريف وتبديل، وهذه المصارحة، وإن كانت صعبة عليهم، ولكنها من الحق المر، ومن مظاهر الرحمة، والمثل يقول ، صديقك من صدَقك، لا من صدَّقك، وتركهم بعد ذلك لاتخاذ القرار، بكل حرية واختيار.
المظهر السادس : لقد أمَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى على أموالهم وأنفسهم، وأماكن عبادتهم، وحتى على طعامهم وشرابهم، فأبقى لهم الحرية كاملة، في ما يأكلون ويشربون، بما لا يجرح شعور المسلمين، في ضوء القاعدة المشهورة بين المسلمين لا ضرر ولا ضرار.
لم أورد هذه المظاهر على سبيل الحصر، فإنها أكثر مما ذكرت بكثير، لكنها مجرد إشارات تدل بوضوح على مدى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الديانات الأخرى.
ومن محاسن الصدف، أعزائي الحضور، أن الخلاف في طبيعة السيد المسيح، قد ظهر جلياً، زمن الإمبراطور هرقل البيزنطي، الذي عاصر النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ( 575-642) ، فقد كان أهل بيزنطة يقولون، إن للمسيح طبيعتين، واحده إلهية، والأخرى بشرية، في حين كانت رعيته في مصر وبلاد الشام يقولون إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح، وهم اليعقوبية(1) .

وما كان يدري هؤلاء أنه في الوقت الذي يختلفون فيه هذا الاختلاف الكبير كان هناك النبي محمد صلى الله عليه وسلم لديه الحقيقة كاملة.
تنبغي الإشارة أعزائي الحضور، إلى أن مظاهر الرحمة التي صدرت من النبيصلى الله عليه وسلم بحق هؤلاء الخصوم، صارت منهجاً اتبعه كل من جاء بعده، من حكام المسلمين، وعلمائهم، لأنني سبق أن أشرت إلى أن المسلمين ملزمون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يصدر عنه من قول أو فعل.
لقد قلَّبت صفحات التاريخ، فوجدت معاملة المسلمين للنصارى، لم تتغير عمَّا رسمه النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ويمكنني القول بكل أسف إن تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش أعاد نفسه، فتاريخ المسلمين مع النصارى مشابه له.

لقد عامل المسلمون النصارى بالعفو والرحمة والتسامح، في حين عامل النصارى المسلمين بكل قسوة، في مواطن كثيرة جداً في الأندلس، ومحاكم التفتيش، والحروب الصليبية.
آسف لهذا الاستطراد ، لكنها معلومات وقفت عليها، أحببت أن أذكرها لكم، وأتمنى أن تتابعوها في مصادرها.
لعلنا نتذكر ما ورد في المحاضرة الأولى، حول شقاء البشرية قبل النبي محمدصلى الله عليه وسلم في كل نواحي الحياة، وهي أحوال اعترف بسوئها كل من كتب عنها، فكان ظهور النبي صلى الله عليه وسلم محمد رحمة للبشرية.
فإنه ما من أحد درس الأوضاع المشار إليها، إلاَّ أقر بوجود مظاهر قسوة وظلم فيها، وما من أحد منصف درس سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ أقر بوجود مظاهر رحمة في كل جوانبها.

وهذا التصور يعين كثيراً على فهم قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107 ).
كان لابد من اكتمال منظومة الرحمة هذه، لتشمل كل المخلوقات، إذ لا يتصور أن يتراحم الناس فيما بينهم، في حين أنهم يمارسون صور القسوة، والتعذيب، على المخلوقات الأخرى، من الحيوانات، والطيور، فقد سبقت الإشارة إلى أن الخلق لا يتجزأ.
وقد لا أبتعد عن الصواب، إذا قلت، إن ممارسة الرحمة مع غير البشر، مظهر من مظاهر التدرج في التربية على هذا الخلق، إذ ليس من اليسير أن يتحرر المرء بكل بساطة من بعض الصفات التي تحول دون ممارسته الرحمة، مع أخيه الإنسان، مثل حب الذات، وحب الانتقام، وكراهية من يسيء إليه، فكأن الرحمة بالحيوانات والطيور وسيلة وغاية في آن واحد.

حين قال النبي صلى الله عليه وسلم على مسمع من أصحابه: ( من لا يرحم لا يُرحم)(1) وعندما سمعوه يقول:( ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)(2) فهم الصحابة منها وهم العرب، أصحاب البيان، أن الرحمة العامة الشاملة، هي المطلوبة، لنيل رحمة الله، وليست رحمة مخصوصة بفئة معينة، أو بجنس معين من المخلوقات.
ذلك أن أهل الأرض المشار إليهم في قول النبي هم القريب والبعيد، الصديق والعدو، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الحيوانات والطيور، لن ينال أحد رحمة الله مالم يمارس الرحمة، عن محبة وقناعة مع هؤلاء جميعاً.
لقد نهى النبي بكل وضوح، عن كثير من صور الرياضة التي يكون فيها الحيوان طرفاً، ويلحق به الأذى، فمصارعة الثيران حرام، ومبارزة الديوك بعضها مع بعض حرام، وجعل الحيوانات والطيور أهدافاً يصوَّب عليها حرام أيضاً.
لقد استقرت هذه الثقافة في أذهان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهذا عبد الله بن عمررضي الله عنه يمر على قوم، وقد وضعوا طيراً وجعلوه هدفاً، يصوِّبون عليه بالسهام، فقال ابن عمر، من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه روح غرضاً(1).

أعزائي الحضور .. ازداد إعجابي بهذا التوجيه النبوي، حين قرأت لعلماء النفس، أن الإنسان الذي يشاهد صور تعذيب الحيوانات، أو المناظر التي فيها قسوة وبطش، يورثه هذا قسوة في قلبه، وجرأة في طبعه يألف معها هذه المناظر، ولا يعود يميل إلى الرحمة والتسامح مع الآخر.
الخلاصة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يرى على الأرض، صورة من صور القسوة، والتعذيب، ولا يرغب أن يبقى بين الناس أحد يقوم بتصرف يخلو من الرحمة، أياً كان هذا التصرف، ومع أي مخلوق كان.
يمكن أن نقول بتعبير معاصر إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسعى لإصدار تشريع ينص على وجوب خلو الأرض من كل تصرف يتناقض مع الرحمة، بكل صورها ومظاهرها، وفي كل ميادين الحياة.
وأنا أتفق في هذا المقام مع القول القائل، إن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الروحية، والواقعية من مسافة، ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئاً فشيئاً من آفاق هذه المبادئ، فتزول غرابتها في حسها، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى.

إن البشرية كلها، قد تأثرت بمنهج الرحمة، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم طائعة أو كارهة، شاعرة أو غير شاعرة، وما تزال ظلال الرحمة وارفة لمن يريد أن يستظل بها(1).
أعزائي الحضور .. أرى شيئاً من الملل وبعض مظاهر عدم متابعة، واعترف إني مسؤول عنها بسبب هذا الطرح الأكاديمي، وحيث إني رأيت بعضكم قد توقف عن التدوين، فإني أجدد لكم الوعد ، بأني سأضع بين أيديكم هذه المحاضرات.
وأعدكم بأمر آخر، في المحاضرة القادمة، وهو الانتقال إلى موضوع شيق محبب إلى النفس، فإلى اللقاء.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع