تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين

العربيةقراءة ٥ دقائق

  المحاضرة الثامنة
وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين
(1)

يستعد الجميع للمحاضرة الثامنة، وأسمعهم يتبادلون الأحاديث، ويقولون لقد مرت المحاضرات سريعاً، وفي هذه الأثناء دخلت الدكتورة سارة، إلى القاعة، ورحبت بالحضور وحيتهم .

أعزائي الحضور ..
أعتقد أن الوقت قد حان، في محاضرتنا هذه ، وهي المحاضرة الثامنة، لنقف مع آية من القرآن الكريم تلكم هي: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، تعمدت أن يكون الحديث عن دلالاتها، بعد تلك الجولة الإنسانية الشيقة التي قضيناها معاً، بين مظاهر الرحمة التي بدت في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع كل الفئات التي كانت تحيط به، سواءً ما كان منه صديقاً، أو عدواً، صغيراً، أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، حيواناً، أو طيراً.
إن هذه المواقف والصور، تذكرنا مباشرة بالآية المتقدمة، وأحب أن أستعرض أمامكم، ما ذكره العلماء في معناها بخاصة إني تعمدت أن أقرأ حولها كثيراً، فخرجت بأن ثمة وجهات نظر في مدلولها.
رأيت بعضهم يقصرها في أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بخاصة، ويقول هو رحمة بأهل الإيمان فقط، والواقع يشهد بهذا، فإن من كفر به قاتلهم وقاتلوه، وماتوا على الكفر(1).
يرى آخرون أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة في نفسه، وهدى، فمن أخذ به من أفراد العالمين أخذ ، فأفاد من هذه الرحمة، ومن أعرض عنه أعرض، ولم ينتفع بهذه الرحمة(1).
كأن نقول مثلاً هذا الطبيب الماهر، رحمة بأهل هذه البلدة، فمن تنبه له ووثق به، ذهب إليه، وأفاد منه، وانتفع بعلمه، فكان الطبيب له رحمة، ومن أعرض عنه وتجاهله، لم تشمله هذه الرحمة.

إن أغلب من قرأت لهم، في معنى هذه الآية ، ذهبوا(2) إلى عمومها، وشمولها لكل ما يدخل تحت لفظ العالمين من المخلوقات، وإن كان بعضهم قصرها على جنس الإنسان، بحجة أن العالم هو الصنف من أصناف ذوي العلم، هو الإنسان، لكن المشهور عنهم أن العالمين تشمل النوع من المخلوقات ذات الحياة، وهذا هو المعنى المعقول، الذي تشهد له المظاهر التي سبق عرضها، وأملي أنكم تتذكرون كثيراً منها .
لكني اعترف أنها غير كافية لإلقاء الضوء على دلالات الرحمة لكل المخلوقات، وهو ما يملي علينا أن نتوسع قليلاً في البيان، وأرجو المعذرة والصبر قليلاً، ولن يكون الحديث طويلاً.
تدل الآية على أن ثمة اتحاداً وتلازماً بين شخص النبي صلى الله عليه وسلم وبين خلق الرحمة، فلا انفكاك في كل الأحوال، وعلى أية حال، كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى يؤيد توجيه الآية إلى رحمة المخلوقات جميعاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته اليومية لا يتعامل فقط مع المؤمنين، ولا من الناس فقط.
لن نجد صعوبة، في بيان رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين، فمظاهرها متنوعة، وأسبابها متعددة، وصورها أكثر من أن تحصى، سواءً ما كان منها في مجال التشريعات، وما صاحبها من تخفيف، وتلطف، وتقدير للظروف، أو ما كان منها في مجال العلاقات الاجتماعية، والشخصية، وهي لكثرتها، تكاد تجد لدى كل من صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان عددهم بالآلاف، موقفاً خاصاً، أو ذكرى عطرة، أو محاورة لطيفة معه، وكتب الأحاديث تكاد تسعفنا في هذا المقام.
نأتي أعزائي إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالكافرين، واسمحوا لي أن أذكرها إليكم على هيئة نقاط مختصرة حتى لا أفقد الاتصال بكم.
المظهر الأول : أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، حال دون نزول عذاب الاستئصال بهم، كما حصل مع بعض الأمم السابقة لهم، مثل قوم عاد، وثمود، ولوط. وهذا المظهر نص عليه القرآن صراحة:(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال : 33 )، وتلك رحمة ما بعدها رحمة، نعم بها الكافرون جميعاً.
المظهر الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفض بشدة، أن يدعو عليهم، ولو دعا عليهم، لاستجاب الله له، كما استجاب لدعوة غيره من الأنبياء، كمثل دعوة النبي نوح عليه وسلم: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) (نوح: 26 )، فأغرق الله جميع سكانها، ولم ينج إلاَّ قلة كانت مع نوح في السفينة.
لقد طلب الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على كفار مكة في معركة أحد، فقالوا له: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة)(1).
كان هذا في معركة أحد، التي أصيب فيها النبي صلى الله عليه وسلم بجراحات كثيرة، وقتل بعض أعز أصحابه، ومع هذا كله، رفض الدعاء عليهم، وتكرر المشهد في معركة حنين، حين تعرض المسلمون لأذى ثقيف، قالوا: يا رسول الله، أدع على ثقيف، ففاجأهم بقوله: ( اللهم أهدِ ثقيف فدعا لهم ولم يدع عليهم)(2).

المظهر الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاملهم بالمثل، وقد مرَّ بنا تفصيل هذا المظهر، فقد عذبوه، وعذبوا أصحابه، ولم يعذبهم، ومارسوا عليه، وعلى أصحابه، سياسة التجويع، ولم يمارسها، وأخرجوه، ولم يخرجهم، قتلوا أسراه، وعفا عن أسراهم.

المظهر الرابع : تجنب النبي صلى الله عليه وسلم بكل الوسائل الصدام معهم، فقد منع مقاتلتهم مدة ثلاثة عشر عاماً، وحين قاتلهم، كان حريصاً على إنهاء الصراع سريعاً، ويشهد لهذه قلة عدد المعارك بينهم، وقلة عدد القتلى كذلك .
تبين أثر مظهر الرحمة هذا بإسلام الآلاف من الكفار تباعاً، حتى أسلم أهل مكة كلهم يوم الفتح.
المظهر الخامس : شعور عامة الكفار برحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهم ، وشفقته عليهم، وقد دلت على هذا الشعور معاملته لهم، ومعاملتهم له، وأنتم تذكرون حين كانوا يأتون إليه، طالبين منه العون، في شؤون حياتهم، فيستجيب لهم ، وهم على كفرهم به، وعلى عداوتهم له .
الصنف الثالث المنافقون.
المنافقون فئة من الناس، كانوا يسكنون المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم آمنوا به في الظاهر، واستمروا على كفرهم به في الباطن، وقد سلكوا هذا المسلك، لما رأوا أنه من رحمته بالناس أنه يعاملهم على ما يبدو منهم في الظاهر، ويكل السرائر إلى الله، فسلكوا هذا الطريق المظلم.

لا يتسع المقام لسرد الأخطار التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المنافقين، ولا الأضرار التي لحقت بالمسلمين من جهة المنافقين.
أذكر في عجالة محاولة عبد الله بن سلول ، زعيم هؤلاء المنافقين ، النيل من شرف بيت النبوة ، حتى أتهم زوج النبي عائشة، وكانت أحب نسائه إليه، حين اتهمها بالزنا، فأنزل الله تعالى قرآناً يكذب هذه الفرية، ويبرئ عائشة، فكان مما جاء في هذا قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور : 11 ).

من الأضرار التي لحقت بالمسلمين، انسحاب عبد الله بن سلول بثلث الجيش في غزوة أحد، فترك هذا التصرف أثراً سيئاً في نفوس المسلمين، ومنها أيضاً تعاون المنافقين مع أعداء النبي صلى الله عليه وسلم في كل موطن(1).
لقد بدت من النبي صلى الله عليه وسلم مظاهر رحمة بهؤلاء ، رغم شدة عداوتهم وخطورتهم، وعلى رأسهم خصم النبي صلى الله عليه وسلم العنيد عبد الله بن سلول(1)، منها:



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع