الحرب الرحيمة(4)
المحاضرة السابعة
الحرب الرحيمة43)
أعزائي الحضور ..
ظهر لي أن ثمة دافعاً قوياً، يكمن وراء هذه الرحمة، إضافة إلى ما سبق ذكره، إنه الحب، نعم إنه الحب، فقد ثبت لي، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب مخلوقات الله جميعاً. المؤمن والكافر والحيوان والطير.
إن الحب الصادق، يأتي بالعجائب، وليس من شك في حب النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه، أما حبه الخير للكافرين، فقد شهد به القرآن الكريم حين يقول الله لنبيه: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء : 3 )، أي كأنك تريد أن تهلك نفسك من شدة الحزن والأسى، لأن هؤلاء الكفار لم يؤمنوا.
لقد اشتد حزنه كثيراً، وبان أسفه شفقةً منه على هؤلاء، ورحمةً منه بحالهم، لأنه يعلم مصيرهم، إن ماتوا على الكفر، حتى قال الله له : (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (فاطر : 8 )، أي ارحم نفسك يا محمد، ولا يكن حزنك بهذا الشكل، فقد أديت ما عليك، ولم تقصر معهم أبداً.
أرجو من الأعزاء الحضور، البحث عن الحب، في كل موقف مرّ بنا، من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم المختلفة، وأنا على يقين أنكم سوف تجدونه ماثلاً أمامكم.
وفي مقابل هذا، فإن الكراهية تدمر البشرية، وأترك لكم استعراض شيء من مواقف بعض العظماء وصنَّاع الحروب قديماً وحديثاً.
ولا أدرى هل ستجدون فيها مظاهر الحب، أو مظاهر الكراهية.
في هذه الساعات التاريخية، وعلى الرغم من تتابع الأحداث، تتحرك رحمة النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أحد أصحابه المقربين، إنه بلال ابن رباح رضي الله عنه، الذي كان عبداً في مكة، يعذب فيها على رمالها الحارة بسبب إيمانه، وهو يردد أحد أحد.
هاهو النبي صلى الله عليه وسلم يرحم حاله، وكأنه ينظر إلى شريط الذكريات الذي يستعرضه بلال، وهو يدخل مكة بعد سنوات من مغادرته لها، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يطلب من بلال أن يصعد على ظهر الكعبة ليؤذن للصلاة.
بلال فوق الكعبة يرفع صوته بالأذان، ويردد كلمة التوحيد، التي عُذَّب من أجلها، أنه تكريم ما بعده تكريم، إنها الرحمة من النبي صلى الله عليه وسلم ببلال ليرد له كرامته، ويعيد له اعتباره في مجتمع طالما ظلمه، وقسا عليه.
إذا كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ببلال تثير الإعجاب، فإن رحمته بأبي سفيان تثير العجب، ناصب أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم العداء منذ بداية الدعوة، وكان يتزعم قريشاً في حربها للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما أحضر أبو سفيان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قبيل دخوله إلى مكة، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفظ له شيئاً من كبريائه، رحمة به.
أعلن النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (1)، فكان لها أثر في جبر خاطره، وحفظ شيء من ماء وجهه، أمام أهل مكة. لأن هذه الساعات كانت بداية النهاية لزعامة أبي سفيان.
فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه محتاج للرحمة في هذا الموقف، وهو ما كان، ولعل هذا الموقف الرحيم، من النبي صلى الله عليه وسلم كان وراء إسلام إبي سفيان، وأدى إلى حسن هذا الإسلام أيضاً في نفسه وأسرته.
أعزائي الحضور ..
يحسن بنا أن نعرض لحادثة وقعت بعد فتح مكة، تشهد لما سبق ذكره، من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تدفعه انتصاراته العظيمة إلى الإصرار على تحقيق المزيد منها، وإزالة أية قوة ما زالت أمامه، بأي ثمن كان، كما لم يكن يستغل حب أصحابه، ولا رغبتهم في القتال، لتحقيق شهرة، أو حسم معركة.
حاصر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الطائف فترة من الزمن، وكانت حصونهم منيعة قوية، وأصيب عدد من المسلمين عند أسوار الطائف، فرحم النبي صلى الله عليه وسلم حالهم، وأمر الجيش بفك الحصار، والرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف.
أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشعرهم أنه إنما اتخذ هذا القرار رحمةً بهم لا غير، فقال لهم: (لا بأس اغدوا على القتال، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدها إنا قافلون غداً إن شاء الله، فسروا بذلك، وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله يضحك، فقالوا له يا رسول الله أدعُ على ثقيف، فقال: اللهم أهد ثقيفاً وائت بهم)(1).
لقد كان للرحمة أثر بارز في تغيير سير الأحداث، فهذه المعركة حصلت بعد فتح مكة، وبعد أن أصبحت القوة كلها بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من المتوقع من منظور عسكري أن يصر النبي صلى الله عليه وسلم على هزيمة ثقيف، مهما كلف الأمر من خسائر، إذ لا يعقل أن يكسب معركة العاصمة مكة، وتستسلم له قريش بأكملها، ويقف على أبواب الطائف عاجزاً عن فتحها، وتبقى قبيلة ثقيف خارجة عن طوعه.
بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم استحضر الرحمة بأتباعه، بسبب ما أصابهم من جراحات، ولم يلتفت إلى رغبتهم في القتال، فهم لهم حساباتهم، والنبي له حساب واحد، وهو الرحمة بهم، وكذا الرحمة بأعدائهم أهل الطائف.
إذ كان يتوقع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسلموا وأن يسلموا، فالمسالة مسألة وقت فقط، فلمَ القتال والقتل إذاً فالرحمة في هذا الميدان أولى، ولقد كان ما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء أهل الطائف مسلمين طائعين، وكفى الله الجميع شر مزيد من القتال.
هذه أعزائي الحضور .. جولة أحسبها سريعة، على مواطن الحرب والقتال في سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وأحسبها تحمل رسائل حانية إلى الناس كل الناس.
الرسالة الأولى تقول : الحوار أولاً، والرحمة أولاً، ولتكن الحرب آخر ما يلجأ إليه، كما فعل نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
والرسالة الثانية تقول: إن كان ولا بد من الحرب، فلتكن حرباً رحيمة، كما كانت حروب نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لا يكون الأطفال والنساء وقوداً لها، ولا حتى بعض من يحضرها، وليكن ضحاياها قلة قليلة.
والرسالة الثالثة تقول: لتكن الحرب وسيلة للتقريب بين الناس، وإزالة الحواجز، وتلك هي نتائج حروب نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لا أن تكون سبباً لمزيد فرقة، ولا لبث كراهية، ولا سبباً لحروب أخرى، لا يعلم لها نهاية.
أتمنى على البشرية أن تقرأ هذه الرسائل، فإنها بأمس الحاجة إليها، وحالها شاهد.
إن كل موقف مما مرَّ بنا، وإن بدا أنه فردي، أو عابر، إلاَّ أنه مظهر من مظاهر رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية، وحين يضع هذا الموقف بين أيدي البشرية، وحين يلزم أتباعه بها، فإنه يكون قد وضع سياسة عامة للبشر جميعاً، وهدفها التقارب والتعاون.
لقد نجح النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيق هذه الأهداف، ونجح أتباعه في الالتزام بها، وفي ممارستها.
والبشرية كلها مدعوة إلى تأملها ، لعلها أن تنتفع بها، فهي كما قلنا، صارت منارات عالمية، لا يحدها زمان ولا مكان، وليست ملكاً لبيئة أو جنس بعينه.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

