الحرب الرحيمة(2)
المحاضرة السابعة
الحرب الرحيمة(2)
أعزائي الحضور ..
إن هذا النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم الذي أبى أن يرى أماً من الطير تفجع بفرخيها الصغيرين، فأمر أصحابه برد فرخيها إليها، كما مر بنا لا يتصور منه بحال أن يفجع أماً من بني البشر بولدها، ولهذا رد الغلامين كما أسلفنا.
اسمحوا لي أن أوجه باسمي واسمكم، نداءً عاجلاً، ونصيحة خالصة إلى البشرية، للبحث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجده بشخصه، فإنها قطعاً ستجده من خلال مبادئه السامية، التي لم تكن البشرية أحوج إليها، كما هي في أيامها هذه.
يفهم من هذا المسلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقاتل أفراداً، وإنما كان يقاتل سلطة، إذا تركت قد تشكل خطراً على الإسلام وأهله، فكان لابد من إزالتها، لفتح المجال أمام الأفراد لاتخاذ ما يناسبهم من قرار، ومنحهم فرصة الاختيار دونما مؤثرات خارجية.
يقول الأستاذ العقاد ( إن الإسلام إنما يعاب عليه، أن يحارب بالسيف، فكرة يمكن أن تحارب بالبرهان، والإقناع، ولكن لا يعاب عليه أن يحارب بالسيف سلطة تقف في طريقه، وتحول بينه وبين أسماع المستعدين للإصغاء إليه، لأن السلطة لا تزال إلاَّ بالسلطة، ولا غنى في إخضاعها عن القوة)(1).
لقد سبق الحديث في محاضرة سابقة، أن المبادئ تحتاج إلى قوة، تساندها في مواطن كثيرة، لا لفرضها على الناس، ولكن لحمايتها، وإزالة العقبات من أمامها.
إن الغرب لم يلتزموا بالمنهج الذي وضعه السيد المسيح، والقائم على أن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ولقد شهد التاريخ على مدى عدة قرون، حروباً باسم المسيح، وهو منها براء، راح ضحيتها ملايين البشر، وليس من أحد ينكر هذه الحقائق المؤلمة، ولا أود التوسع في هذه القضية.
سادساً : كان للنبي صلى الله عليه وسلم نظام متميز في تجهيز الجيش، لمواجهة خصومه، فلم يكن يجبر أحداً على الخروج معه، وكان يأذن لمن يريد التخلف عنه حين يبدي أعذاراً شخصية، حتى وصل الأمر إلى أن يعاتبه الله تعالى قائلاً له : (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة : 43 )، كأن النبي صلى الله عليه وسلم توسع في قبول الأعذار، حتى استغلها من لا عذر له أصلاً، وهم المنافقون، فجاء العتاب ليظهر الصادق من الكاذب.
لا يتعارض هذا التصرف مع رغبته في خروج أصحابه معه إذا خرج، ولقد بدا منهم الحرص الشديد على الخروج معه، حتى إنه كان يحدث خلاف بين الابن وأبيه في أيهما يخرج لرغبة الاثنين في مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما حصل مع سعد بن خيثمة وابيه يوم بدر(1)، وكما حصل أيضاً خلاف بين أبي أمامة وخاله في أيهما يبقى مع أم أبي أمامه المريضة، وقد مرت بنا هذه الحادثة.
إن الخروج عن رغبة واختيار،غير الإكراه على الخروج دونما اعتبار لظروف، وهو الذي نراه في الجيوش المتحضرة في الوقت الحاضر، حين يساق الجنود إلى المعارك سوقاً، وأكثرهم لها كارهون.
اتضح هذا المسلك جلياً، أيضاً حين طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أحد القادة وهو عبد الله بن جحش، أن لا يكره أحداً على السير معه، فقد كتب له كتاباً، جاء فيه ( سر حتى تأتي بطن نخله على اسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك)(1).
كان النبي صلى الله عليه وسلم يأذن لأفراد بالتخلف عن الخروج للقتال معه، لأسباب شخصية، ذكرنا بعضها، وكان أحياناً يطلب من بعضهم التخلف، كما حصل مع عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد أمره أن يتخلف عنه بسبب مرض زوجته(2)، وإذن لأبي أمامه بل طلب منه أيضاً أن يتخلف عنه ليبقى بجانب أمه المريضة، ومثل هذا كثير.
إن هذه السلوكيات عندما يجتمع بعضها إلى بعض، تشكل معلماً بارزاً، يدل بوضوح على أن القتال لم يكن هدفاً ملحاً للنبي صلى الله عليه وسلم ولا غاية في حد ذاته، فإنه لم يكن يوماً متعطشاً لقتل، أو قتال، ولم يغب عنه لحظة، أنه أرسل رحمة للناس، وأنه سوف يستعين بهذه الرحمة أكثر من استعانته بالسلاح، لمواجهة خصومه في بعض الميادين، وقد حصل هذا بالفعل.
إن مقولة علماء الأخلاق ( إن الأخلاقية تعني فن السيطرة على الأهواء) تتحقق بجلاء في الفلسفة القتالية لدى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأين هو من كثير من القادة العظام، الذين عرفتهم البشرية، أمثال الاسكندر المقدوني، وهولاكو، ونابليون، وهتلر، وغيرهم ممن لا نستحضر ذكرهم.
قد قاتل هؤلاء جميعاً أناساً لا يوجد بينهم وبين هؤلاء القادة قضية، ولا خصومة أصلاً، لكن الدوافع الدنيوية، كالشهرة، والمصالح العامة والخاصة، جعلت هؤلاء القادة يدخلون أرضاً ليست أرضهم، ويقاتلوا أناساً أبرياء، ليسوا خصماً لهم، وكانت النتيجة قتل مئات الألوف، وتدمير مئات المدن، والمحصلة النهائية مزيد من القتل والدمار وعدم الاستقرار.
أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإن قاتل، فإنه يقاتل من قاتلوه، وقاتلوا أتباعه، وأخرجوهم من أرضهم، وأخذوا أموالهم، فإنه في عرف الشرائع جميعها، محق فيما يصنع، ومع هذا لم يصدر منه تصرف واحد يدل على أنه صاحب شهوة، أو باحث عن شهرة في هذا الميدان.
دعا كل من المسيح والنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة، والتسامح بين الناس، وأحسنا أيما إحسان ، لكن المسيح لم يتمكن من نشر ما يدعو إليه، ولا من تحقيقه على أرض الواقع، على الهيئة التي كان يريدها، لأنه لم يجد قوة تحمي الرحمة، وتفسح الطريق لها لتصل إلى الناس جميعاً، بسبب عداوة اليهود له، ووجود سلطة الرومان القاسية.
بيد أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وجد هذه القوة، وأزال بها العقبات التي تقف في وجه انتشار هذه المبادئ السامية، كان استخدام النبي صلى الله عليه وسلم للقوة في بعض المواطن، دليلاً على شدة حرصه على نشر ثقافة الرحمة، والتسامح، والعدل، والإحسان، وإلاَّ كان بإمكانه أن يدعو إلى هذه الأخلاق، كما دعا غيره ممن سبقه من العظماء، ثم يترك الناس وشأنهم، من شاء تخلق بها، ومن شاء أعرض عنها، وعمل بنقيضها .
ما كان لنبي الرحمة المرسل رحمة للناس أن يسلك هذا المسلك بحال لأن البشرية ستكون الضحية، والإنسانية ستدفع الثمن غالياً، لقد كان قتال النبي صلى الله عليه وسلم رحمة، كي تسود بين الناس الرحمة، بلا عقباتٍ أو حدودٍ .
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

