تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

العدل الواجب والرحمة الواجبة(2)

العربيةقراءة ٥ دقائق

  المحاضرة السادسة
العدل الواجب والرحمة الواجبة
توازن وتكامل(2)

لقد رحم النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه هذا، وتلطف معه، على الرغم من أنه كاد يفسد عليهم الصلاة، ووقف الصحابي بنفسه على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم له، وكم تركت هذه الرحمة، وهذا التلطف، أثراً طيباً في نفسه، وهذا ظاهر من مقولته التي قالها، وهو يصف معاملة النبي صلى الله عليه وسلم له.
يا له من درس عملي للمربين، في كل زمان ومكان، حتى يرحموا الجاهل، ويتلطفوا معه، وإذا كانت النظريات التربوية الحديثة تحث على هذا المسلك في التعليم والتقويم، فإن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أرشد إليها قبل مئات السنين.
كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقوم بعبادة ربه، المحببة إليه، يرقب أصحابه، حتى لا يسبب لهم حرجاً، أو يلحق بهم مشقة، رحمةً بهم.
فهذه السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تروي لنا ما حصل في صلاة قيام الليل، في رمضان، وهي صلاة التراويح، فقد صلى بهم أياماً، ثم لم يعد يخرج لهم، فلما سئل عن هذا، قال: خشيت أن تفرض عليكم، وهذه رحمة ظاهرة منه صلى الله عليه وسلم (2).
والأشد منه وضوحاً، قول عائشة ( إن كان النبي ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس ، فيفرض عليه)(2)
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستغل حب أصحابه له، وشدة رغبتهم في متابعته، فيقوم بالعمل الشاق، على مسمع منهم، ومرأى من أجل أن يعملوا به، لم يكن هذا من منهج النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كان من منهج بعض من سبقه، من القديسين، فمنهم من كان يصوم أياماً، ولا ينام ليالي عدة، وهذا يتعب أتباعه، إن كان له ثمة أتباع.

وشتان بين من يلتفت خلفه، وهو يسير ليطمئن على أتباعه واحداً واحداً، وهم يتبعونه، حتى لا يبتعد عنهم، أو ينفرهم منه، رحمة منه بهم، وهو يتمثل دور الوالد من أولاده.
لقد قالها لهم صراحة، لتطرق أسماعهم، ( إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) (2)، والوالد يرحم أولاده، ويحنو عليهم، ولا يسلمهم إلى المشاق، وبين من لا يلقي لهم بالاً ولا يرقب لهم حالاً، ويمضي في طريقه وحيداً، ليحقق لنفسه العظمة، والخلود، بهذا التميز، كما يتوهم، ولسان حاله يقول، من كان به قوة فليلحق، ومن كانت لديه همة فليصبر.
شكراً لكم لحسن الاستماع، وإلى الاستراحة القصيرة وسنواصل بعدها كالعادة.
دخلت الدكتورة سارة القاعة، لمواصلة المحاضرة السادسة وهي تحمل بين يديها أوراقاً شبه مبعثرة، كأنها كانت تطالعها قبل دخولها القاعة، وما أن استقرت في مكانها، حتى رحبت بالحضور، قائلة :

أهلاً بكم في النصف الثاني من محاضرتنا هذه، والذي خصصته لبيان قضية أحسب أنها مهمة جداً، تلكم هي مكانة الرحمة بين غيرها من الأخلاق، وبيان مدى صلتها بالأحكام الأخرى، والحقوق المشروعة.
يمكن أن أختصر هذه العبارات بكلمة واحدة، أذكرها على هيئة سؤال: وهو : هل يمكن القول إن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان يرفع شعار (الرحمة أولاً) في تصرفاته كلها؟، ولقد تعمدت تأخير هذه المسألة إلى المحاضرة السادسة، ليسهل على الحاضرين الكرام استحضار ما مرَّ من مواقف وأحداث، تسهم في تقديم الإجابة عن هذا السؤال حتى لا يطرح في فراغ.
أعزائي الحضور ..

تستدعي الإجابة عن هذا السؤال، مقدمة، آمل أن لا تكون مملة، بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتكميل الفطرة الإنسانية، والتعايش معها، والمحافظة على سلامتها، ولم يبعث لتنفيرها، وتغييرها، وهذا يعني أنه كان يستحضر طبيعة النفس البشرية، واحتياجاتها، وانفعالاتها، ولقد مرَّ بنا من المواقف، ما يؤكد هذا المعنى بكل وضوح.
واسمحوا لي باستطراد يسير في هذا المقام، لأذكر لكم فيه أن البشرية اليوم تعاني أشد المعاناة بسبب مصادماتها للفطرة، والعمل على اغتيالها وتغييرها عبر تصرفات كثيرة نسمع بها ونراها في مجالات كثيرة تغيب عنها الرحمة، بكل مظاهرها لأن الرحمة لا يمكن أن توجد بحال إلاَّ عند وجود الفطرة السليمة.
في ضوء ما يسمى عند علماء الاجتماع، بالضبط الاجتماعي، والذي يعني الوعي بشعور الآخرين، ومراعاة حقوقهم، وانتهاج سلوك يتأثر بهذا الوعي، تصبح الحاجة ماسة لوجود ضوابط، وأنظمة، تضبط سلوك الأفراد، فتأخذ له من المجتمع، وتأخذ منه لهذا المجتمع(1).

تبرز في هذه الأوضاع لا محالة، الحقوق والواجبات، وتفرض نفسها، فالعدل واجب، ورد الحقوق إلى أصحابها لازم، والمحافظة على مصالح الفرد حق.
إنها معالم واضحة، أكدتها نصوص شرعية، وترجمتها مواقف نبوية، فاستقر في الأذهان، أن العدل واجب، ولكن ما ينبغي أن يُعرف، ويستحضر حالاً، هو أن الرحمة أيضاً واجبة، وليست تفضلاً في المنظور الإسلامي,
أضرب لكم مثالاً توضيحياً، إذا اقترض شخص مالاً، فإنه يجب عليه أن يرد المال إلى صاحبه، وهذا عدل، ولكن إذا تعذر على المقترض أن يرد المال في أجله لإعساره، فالعدل أيضاً يقتضي أن يمهله صاحب المال، رحمة به.
لكن القرآن يعرض هنا توجيهاً آخر، وهو أن يتنازل صاحب الدين عن دينه، إذا كان هذا ممكناً بالنسبة إليه، وهنا تتحقق الرحمة بكل مظاهرها. وفي هذا يقول القرآن الكريم: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 280 ).
ويتضمن هذا العرض الرباني مبادلة رحمة برحمة، إن صح هذا التعبير، فالتصدق بالمال رحمة من صاحب المال، يكافئ عليها برحمة من الله تعالى، وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العرض حين قال: ( ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء).
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد من الترغيب بهذه الرحمة، المصاحبة لهذا الواجب، ذكر قصـة رجل كان يمارس هـذا النـوع من الرحـمة، فأدخلته الجنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً، قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه)(1).

وفي موضع آخر ، يؤكد القرآن أن القصاص حق واجب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة : 178 ).
فقد اثبت الحق لأهله، ثم بعد ذلك ذكر الرحمة، التي تدعو إلى العفو، وفي مقام آخر، جعل العقاب بالمثل حقاً لصاحبه، لكنه في الوقت نفسه، جعل الرحمة بالمعتدي، والعفو عنه، صدقة وكفارة للمعتدى عليه: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة : 45 ).



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع