تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

العدل الواجب والرحمة الواجبة(1)

العربيةقراءة ٥ دقائق

  المحاضرة السادسة
العدل الواجب والرحمة الواجبة
توازن وتكامل(1)

بدأت الدكتورة سارة محاضرتها السادسة، قائلة للحضور، أحييكم أجمل تحية، وأشكر لكم تجمعكم هذا، ويسرني أن أواصل معكم عرض مشاهد رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأتباعه، حيث إن ثمة جوانب مهمة لم نعرض لها، تتصل باستحضار الرحمة في أثناء العبادات، وأثرها في هذه العبادات نفسها، وهو ما تحدثنا عنه في المحاضرة السابقة.
لكني أود في هذه المحاضرة أن أتوسع في الأمثلة، لبيان أن هذه الرحمة لم تغب عن أيٍ من مظاهر العبادة ، ثم نتحدث عن العدل الواجب والرحمة الواجبة حين يتلازمان.

فإنه على الرغم مما مرَّ بنا من مظاهر واضحة لهذه الرحمة، من مثل التدرج في الأحكام، ودخول تعديلات على بعضها بسبب ظرف طارئ، وعلى الرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبين هذه التشريعات، كان يستحضر طبيعة النفس البشرية، واحتياجاتها، على الرغم من حصول هذا كله، إلاَّ أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على هذه الجوانب، بل تعدتها إلى غيرها.
نعم لقد تجاوزتها، لتشمل ممارسة الرحمة، ليستقر في وجدان كل إنسان، أن الرحمة ليست مجرد كلمة، أو شعور، ينتاب المرء، وإنما هو سلوك، وواقع له مظاهره.
لقد كان أحب شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ومناجاة الله، ولكن يا للعجب حين ترى النبي صلى الله عليه وسلم يقصر من صلاة كان يصليها بالناس، وإذا به بعد الانتهاء منها، يبين لهم لماذا قصر من صلاته، فقال: ( إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطوِّل فيها، فاسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)(1).

لم تكن هذه حالة واحدة، وإنما كان هذا المسلك منهجاً، وقد أكد هذا خادمه الملازم له أنس، حين قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع بكاء الصبي، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة القصيرة، والسورة الخفيفة(2).
صلوات يشهدها مئات من أصحابه، يرغبون كلهم كما يرغب النبي صلى الله عليه وسلم بإطالتها، لكن بكاء طفل صغير مع أمه شهدت الصلاة، يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يوجز فيها، رحمةً منه بالأم، لعلمه بشدة شفقتها، ورحمة بالطفل الذي يبكي، لأنه لا يحتمل سماع بكاء الأطفال.
يدل على هذا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بيت ابنته فاطمة الزهراء، فسمع الحسين يبكي، فقال لفاطمة: ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني(3) ،إنه درس عملي في الرحمة، يحرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يعايشه أصحابه.
عندما بلغه أن أحد أصحابه يصلي في جماعة من الناس، ويطيل في صلاته، عتب عليه كثيراً وقال: (أيها الناس، إنكم منفرون ، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن منهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة)(1).

إن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم هي التي حملت على استحضار هذه الأصناف، ودعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يطلب ممن يصلى بالناس أن لا يطيل، مراعاة لظروف من سماهم.
لاحظت الدكتور سارة أثناء حديثها، أحد الحاضرين، وقد التفت إلى زميله، وهمس في أذنه بكلمة، ثم تبسما، وهنا توقفت عن الكلام، فنظرا إليها فتبسمت بدورها، وقالت: هل من شيء يمكن أن نسمعه منكما، فقال أحدهما: كنت بصراحة أقول لصاحبي، كان يمكن أن يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة وصبيها، ومن أصحاب الأعذار، أن لا يحضروا للصلاة، حتى يصلى هو وأصحابه على الهيئة التي يحبون، ولا يضطر إلى ما اضطر إليه، في فعله وقوله.
توجهت د. سارة إلى جمهور الحاضرين، قائلة لهم: ما رأيكم بما سمعتم، فلم يتكلم أحد، إلا واحداً قال: هي على أية حال، وجهة نظر، ولكننا لا نعلم طبيعة الظروف آنذاك، وملابسات الموقف.
شكرت الدكتورة سارة الذين أبدوا وجهات النظر هذه، وقالت: سرني هذا الطرح، لأنه فتح المجال لأبين مسألة مهمة، وهي أننا أحياناً، نحكم على بعض الأحداث، ونحللها ونحدد موقفنا منها، في ضوء ثقافتنا المعاصرة، متأثرين بالمحيط الذي نعيشه، وما فيه من أحداث متتابعة، ومواقف متلاحقة، وهو ما يمكن أن يسمى بالمنهج الانطباعي، والمنهج الاسقاطي.

لقد انتشرت بيننا عبارات غالباً ما تُغيَّب الرحمة معها من مثل مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، والحالة الشاذة لا حكم لها، ولا يلتفت إليها، الفرد وقود المجتمع، وهو عجلة في عربته.
إن هذه الثقافة بمضامينها، تجعلنا نتعجب كثيراً من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم هذه، وهي في حقيقة الأمر، مكمن العظمة، ورمز الرحمة، للفرد والجماعة على حد سواء.
لقد وسعت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، الأفراد من حيث هم واحداً واحداً، واستوعبت مصلحة الجماعة من حيث هي كذلك. فإن مصلحة الجماعة معتبرة ولاشك، ولكن مصلحة الفرد غير مهملة أيضاً، وينبغي من باب رعاية المصالح، وإعمال الرحمة، بذل غاية الوسع لكي لا يطغى حق على حق.

إن وجهة النظر التي سمعناها آنفاً، وكانت سبباً في هذا الاستطراد، تعد مؤشراً على وجود سلبيات لدى من يلجأ إليها، وأنا قطعاً، لا أعني بهذا الكلام، من نبه إلى هذه الجزئية، وإنما أقصد من جعل منها منهجاً، وتعامل مع الناس بمقتضاها، فهي تدل على قصور في المعالجة، وعجز عن استيعاب جميع الأتباع والأحباب، مما يعني أن هذا الرمز، أو القدوة، أو القديس، صار لفئة دون أخرى.
إن البشرية جمعاء بحاجة ماسة إلى هذا المنهج الرحيم، فإن الواقع المشاهد اليوم لا يخلو من أحداث يظهر فيها تجاهل الفرد لصالح الجماعة، بحجج واهية، وها هو نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يقدم للناس جميعاً نماذج متوازنة تتحقق فيها مصالح الأطراف جميعاً، أفراداً وجماعات.
أود أن أذكِّركم أننا عرضنا إلى طرف من هذا الحديث، في محاضرة مضت، واعتبرنا هذا المسلك نقصاً، لأنه يفتقد إلى الشمول والتوازن.
وخلاصة رأيي ، هي أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ـ في ضوء ما مرَّ بنا من أحداث ـ لا يتصور منه بحال أن يُشعر أحداً من أتباعه، أنه خارج دائرة اهتماماته، ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يُقدم على فعل يكون فيه قد حجب رحمته عن أحد منهم.

لقد أوتيَ النبي صلى الله عليه وسلم من الصفات الحميدة مجتمعة، ما تؤهله إلى إنجاز ما يرغب في إنجازه، دون أن يكون هذا على حساب أحد ممن حوله، وأنا أشهد في هذا المقام، أني لم أرَ في سيرة أحد من العظماء، أنه اتصف بهذه الصفة، التي لا أملُّ التكرار والقول إنها إحدى أبرز مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم.
بين يدي أعزائي بعض مواقف تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم حدثت كسابقتها في الصلاة، فهذا الصحابي معاوية السلمي، صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة، وتكلم فيها مع صاحب له، قال فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وأثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليَّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت.
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله، ولا بعده، أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني(1)، ولا ضربني، ولا شتمني، وقال :( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن)(1).



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع