الرحمة أولاً(4)
المحاضرة الخامسة
الرحمة أولاً(4)
لا يتصور بحال أعزائي الحضور، أن الله تعالى الرحيم بخلقه، ينزل على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ديناً، لا تكون من أبرز غاياته، تحريم الخمر، ولكن ما السبيل إلى تحريمه، وتخليص المجتمع من أضراره، التي لا تعد ولا تحصى.
الرحمة تقتضي تحريمه، والرحمة نفسها تدعو إلى النظر في مكانة الخمر في نفوس الناس، فكان لابد من إتباع خطة محكمة في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي، لا يكون من معالمها إصدار حكم فوري، وقطعي بتحريمها، إذ لو حصل هذا، لما أمكن حمل الناس على العمل به.
وهذا ما أدركته السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت ( إنما نزل أول ما نزل منه ـ أي من القرآن ـ سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندع الخمر أبداً ..)(1).
يكشف لنا حديث السيدة عائشة، عن أمر ذي أهمية، ظاهرة يشهد له الواقع، وتؤيده الوقائع، وهو تأخر نزول القرآن الذي يتضمن الحديث عن التكاليف، والحلال والحرام، إلى أن تمكن الإيمان من النفوس، واطمأن الناس إلى هذا الدين، واستشعرت قلوبهم مدى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهم ، وشدة حرصه عليهم.
اسمحوا لي أن أعرض لكم معالم التدرج في تحريم الخمر، والخطوات التي مرَّ بها هذا التحريم، وأرجو منكم متابعتي، وتلمس مظاهر الرحمة في هذا العرض.
كثر الحديث في بداية نزول القرآن، عن الثواب والعقاب، فرغب في خمر الجنة، وحببه إلى النفوس، حين وصفه القرآن بأنه يخلو من السلبيات الموجودة في خمر الدنيا: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ *عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) (الصافات:43-47)، فالخمر في الجنة لا تذهب بالعقول، ولا تفسد الأجسام، ولا تغتال صاحبها، وتقضي عليه(1)، فهي في الجنة شراب لذيذ: (وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) (محمد:15 ).
لعلكم تلاحظون معي أعزائي الحضور، أن الآيات مدحت خمر الجنة، لكنها لم تذم خمر الدنيا، ولعلها تركت المقارنة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين يسمعون هذا الكلام.
خطا القرآن الكريم بعد هذا خطوة أخرى، ورأيت كثيراً من العلماء يعدونها الخطوة الأولى في رحلة التحريم.
يقول العلامة دراز ( تمت الخطوة الأولى في هذه الطريق، في كلمة نزلت بمكة، كلمة واحدة مست المسألة مساً رقيقاً، فمن بين الخيرات التي استودعها الله في الطبيعة، يذكر القرآن " ثمرات النخيل والأعناب" ويضيف إليها : (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (النحل : 67 )، فهو لم يقصد إلاَّ إلى الموازنة، بين السكر والثمرات الأخرى، التي يصفها بأنها حسنة، دون أن يصف هذا السكر نفسه، وبذلك صار لدى المؤمنين دافع إلى الإحساس ببعض التحرج والوسوسة تجاه هذا النوع من الشراب)(2).
وأنا بهذه المناسبة، اعتذر إليكم، بسبب بعض النصوص التي أوردها أحياناً، والتي يصعب استيعابها استيعاباً كاملاً في هذه العجالة، ولكني أعدكم بأن تكون بين يديكم، ليكون لكم معها وقفة أخرى.
ونحن بهذه المناسبة أيضاً، نستعمل هذا الأسلوب القرآني اللطيف، فعندما أقابل اثنين من طلابي في نهاية الفصل الجامعي، وكانا قد قدما الاختبار، ثم يسألاني عن النتيجة، فأقول للذي نجح في الاختبار أحسنت، لقد اجتزت الاختبار، ثم لا ألتفت إلى الثاني، ولا أقول له شيئاً أبداً، وأعتقد حينها أنه سوف يفهم هذه الرسالة اللطيفة، والتي فيها مظهر من مظاهر الرحمة، حيث لم أشأ أن أواجهه بالنتيجة المؤسفة.
إن القرآن في هذه الآية، وصف الرزق بأنه حسن، وسكت عن وصف الخمر بشيء، فاستقر في وجدان أتباع نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أن الخمر ليس حسناً بحال، ولكن لا شيء آخر بعد هذا.
وتمضي سنوات معدودة، وإذا بالقرآن الكريم يوظف حادثة ذكرها أهل الحديث والتفسير(1)، مفادها أن الصحابي عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه صنع طعاماً ودعا الناس إليه، وقدم إليهم خمراً فشربوا، ثم حانت الصلاة فقدموا أحدهم ليصلي بهم، فأخطأ في قراءة القرآن، بسبب شربه للخمر، فأنزل الله تعالى عندها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) (النساء: 43). فالله تعالى لم يوجه في هذه المرحلة إلى عدم الشرب، وإنما نهى عن القرب من الصلاة حال الشرب.
جاءت هكذا الخطوة الثانية، لمحاصرة الخمر، وتضييق الوقت على من يرغب في تناولها، فإن الصلوات لم يعد يناسبها شرب الخمر، والصلوات تكاد تغطي اليوم والليلة، ( وهكذا كان هذا التحريم الجزئي، غير المباشر منهجاً علمياً لتوسيع فترات انقطاع التأثير الكحولي، وفي نفس الوقت، تقليل رواج الأشربة، وتجريدها من سوقها بالتدرج، دون إحداث أزمة اقتصادية، بالتحريم الشامل المفاجئ)(1).
بدأت علاقة الصحابة بالخمر في الانحسار، بعد أن جعلها القرآن مضادة للصلاة، وبعد ما فرض عليها من حصار، مما جعل بعضهم يتساءل عن حكمها، فجاء الجواب من الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة : 219).
هذا النص القرآني صريح، في أن مضار الخمر أكثر من منافعه، واسمحوا لي أن ذكر لفتات جميلة في هذه الآية، فقد قدَّم الإثم على النفع، كأنه هو الأصل، ووصف الإثم بأنه كبير، ولم يصف المنافع بشيء ، وهذه نفحات من رحمات، لأنها تسهم في التنفير من الخمر.
يبدو لي أن الأمر بدأ يتضح وحده، وبدأ ينمو شعور لدى الصحابة، بالنفور من الخمر، ما دامت هذه حالها، وكانوا يتوقعون في أية لحظة حكماً صريحاً بتحريمها، بعد ما تقدم من إرهاصات، حتى وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الثاني للنبي نفسه وهو يرفع صوته بالدعاء قائلاً ( اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً)(2).
لقد دلت بعض الروايات أن الصحابة بدأوا بالتخلص من الخمر قبل نزول تحريمها، حتى قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه ( لقد حرّمت الخمر وما بالمدينة منها شيء)(3)، وهو قطعاً لا يقصد التعميم الكامل، ولكن يفهم منه أن الخمر لم يَعُد لها وجود، كما كانت من ذي قبل، كأنهم اجتنبوها قبل أن يُطلب منهم هذا .
بدأ الصحابة وكأنهم على موعد مع حكمٍ ما قادم إليهم، وقد تهيأت نفوسهم لقبوله، بل تتشوق إليه، وكأنها تطالب به، إنه التحريم، وقد كان فعلاً حين نزل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة : 90 ).
لقد تم التحريم، وتم الاجتناب، بطريقة غاية في العجب، آية في دقة التنفيذ، وسرعة الاستجابة، واسمحوا لي أعزائي الحضور أن استضيف الصحابي أنس بن مالك لينقل لنا الصورة كاملة ، لهذا الحدث العجيب المهيب.
قال كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة الأنصاري، وأُبيَّ بن كعب شراباً من فضيح وتمر، قال: فجاءهم آت ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس ، قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال: فقمت إلى مهراس ـ يعني حجراً ـ لنا فضربتها بأسفله حتى كسرت )(1). وفي رواية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً: ألا إن الخمر قد حُرمت ، فقال لي أبو طلحة، اخرج فاهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة(2).
أمامي تعليق جميل للدكتور العلامة دراز ، اسمحوا لي أن أسمعكم إياه، يقول ( هذا المسلك اليسير المتدرج، يدعونا إلى أن نتذكر الطريقة التي يستخدمها الأطباء المهرة، لعلاج مرض مزمن، بل أن نتذكر بصفة عامة، المنهج الذي تلجأ إليه الأمهات لفطام أولادهن الرضع).
ذلك أن هذه الوسائل، التي خلت من العنف، والمفاجأة، تدعو الجهاز الهضمي إلى أن يغير نظامه شيئاً فشيئاً، ابتداءً من أخف الأطعمة، حتى أعسرها، ماراً بجميع الدرجات الوسيطة، ألا ما أعظم رحمة الله ، التي ترفقت بالعباد، على نحو لم يبلغه فن العلاج، ولا حنان الأمهات)(1). ما أجمل هذا القول، وما أصدقه.
أعزائي الحضور ..
كنت سأنهي حديثي عن الخمر بهذا الكلام، بيد أني آثرت أن أعرض لكم بإيجاز صورة مقابلة، لما سبق بيانه، إنه القانون الأمريكي لتحريم الخمر، لنرى كيف بدأ، وكيف انتهى؟
فقد صدر سنة 1933، قانون تحريم الخمور في أمريكا، وألحق بالدستور المادة الثامنة عشرة الإصلاحية، التي تتضمن هذا التحريم، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها لتنفيذه، وما أن صدر القانون حتى نشطت تجارة الخمور السرية.
صارت تباع أنواع من الخمر مضرة بالحياة، وانتشرت الأماكن السرية، التي تصنعها، وتبيعها، وازدادت مراكز البيع غير القانوني، فقبل قانون التحريم، كان عدد مصانع الخمور قرابة أربعمائة مصنع، وبعد سبعة أعوام من تحريمه، صار عدد هذه المصانع قرابة ثمانين ألف مصنع.
وانتشر شرب الخمر بين جميع فئات الشعب، وشمل جميع مناطق البلاد، بما فيها القرى، والأرياف، وتصاعدت أرقام الجرائم، والحانات.
وفقاً لإحصاءات ديوان القضاء الأمريكي، فقد تم تنفيذ حكم الإعدام في قرابة مئتي شخص، وزادت الجرائم بين الأطفال، حتى أعلن قضاة أمريكا: أنه لم يكن من المعهود سابقاً أن يقبض على هذا العدد من الأطفال في حالة السكر.
لقد دلت تقارير الشرطة، أن عدد المدمنين من الأطفال، ارتفع إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل التحريم، وتضاعف عدد الوفيات.
على أثر هذا الفشل، ونتيجة لهذه الخسائر في الأرواح، والأموال، تراجعت الدولة عن القانون، وسمحت بإنتاج الخمور، التي تقل نسبة الكحول فيها عن 33%، ثم صدر في السنة نفسها، إعلان رسمي، ألغيت بموجبه المادة الثامنة عشرة، التي تحرم الخمر، وعاد الخمر كما كان، بعد تجربة فاشلة، خاضتها الحكومة الأمريكية، بكل إمكاناتها، مدة أربعة عشر عاماً (1).
وقد علق أحد العلماء الأمريكان على هذا بقوله ( إن قرار منع الخمر لم يُلغ على أساس أن الخمر جيدة، أو سيئة ضارة أو غير ضارة، إن القرار أُلغي على أساس واقعي هو أن المنع قد فشل )(2).
ربما توسعت في الحديث عن موضوع الخمر، ولكني تعمدت هذا، رغبةً مني في الكشف أولاً عن مظاهر الرحمة التي أدت إلى القضاء عليه في المجتمع الإسلامي، في مقابل مظاهر القوة التي فشلت في منعه.
وإذا كانت الرحمة قد ظهرت جليَّاً في التدرج في تحريم الخمر، فإن الرحمة نفسها كانت أظهر في التحريم نفسه، فقد اطلعت على موقع طبي يتحدث عن الأضرار التي تحدثها الخمر بالجسم، فرأيت شيئاً مرعباً، أود أن أذكر لكم بعض هذه الأضرار باختصار:
(1) إتلاف خلايا المخ.
(2) إتلاف الكبد.
(3) هبوط عملية التنفس.
(4) انخفاض المناعة في الجسم.
(5) تؤدي إلى هشاشة العظام.
(5) الإصابة بقرحة المعدة والسرطان.
وغير هذا من الأمراض الصحية التي لا يتسع المقام لسردها ، إضافة إلى الأضرار الاجتماعية والاقتصادية التي لا تخفى عليكم، فكان هكذا التحريم رحمة بالناس.
إن البشرية المعاصرة بحاجة ماسة إلى سيف الرحمة ـ المصاحب للتدرج ـ ، الذي شهره النبي محمد صلى الله عليه وسلم في وجه الخمر حتى قضى عليها بكل لطف ومحبة.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

