الرحمة أولاً(3)
المحاضرة الخامسة
الرحمة أولاً(3)
أعزائي الحضور ..
التدرج في التشريع، من أبرز مظاهر الرحمة، التي استرعت انتباهي، في سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، ولقد شد إعجابي كثيراً، فأنا لا أعلم له مثيلاً، واسمحوا لي أن أذكر لكم تعريفاً للتدرج، حتى تصبح دلالته حاضرة في الأذهان، فإن فعل درج في اللغة يعني البدء بالمشي قليلاً قليلاً، ولهذا يقولون درج الطفل، عندما يبدأ يتعلم المشي، ويخطو خطواته الأولى ببطء وحذر(2).
من هذه الدلالة، أخذ المعنى الذي نقصده، في محاضرتنا هذه، فنحن نعني به ( التقدم بالمدعو شيئاً فشيئاً للبلوغ به إلى غاية ما طلب منه، وفق طرق مشروعة مخصوصة)(1) .
إن المتابع لتوجيهات نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لأتباعه، يرى بكل وضوح منهج التدرج هذا، فلقد كان يأخذ بأيديهم، كما تأخذ الأم الحنون بيد ولدها، وهي تعلمه المشي في خطواته الأولى.
إذا كانت الرحمة هي التي دفعت الأم إلى التلطف مع ولدها، وهي تعلمه المشي خوفاً عليه، وترفقاً به، وهذا لا خلاف فيه بين الناس جميعاً، فاعلموا أن الرحمة نفسها هي التي حملت النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتدرج مع أصحابه في الأحكام.
ليس يخفى عليكم أن العادة عندما تتحكم في الإنسان، يكون من العسير عليه التخلص منها، أو حتى إدخال تعديلات عليها، ويبدو أن الأمر كما قال بعض من كتب في علم الأخلاق، بأن العادة تغرس جذورها عميقة في الجهاز العصبي(2). وهذا يعني أن التدرج في التشريع، هو تدرج في التربية الأخلاقية.
فقد جاء نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، وما تضمنه من تكاليف، وتوجيهات، والبشرية كلها أسيرة عادات، وضحية شهوات، شب على بعضها الصغير، وشاب عليها الكبير، فكان لابد والحالة هذه، من أخذ هذا الوضع بعين الاعتبار، حين العمل على تصحيح المسار، الذي كانت تسلكه البشرية التائهة بلا وعي.
لما كان يصعب علينا تتبع مظاهر التدرج في المنهج النبوي، لكثرتها وتنوعها، فإني استأذنكم في الاقتصار على قضية واحدة، وأحسبها دليلاً واضحاً، على ما ذهبنا إليه، تلكم هي قضية تحريم الخمر.
وأود أن أحتاط لنفسي، وأبين أن عرض هذه القضية، ليس غاية في ذاته، وإنما عرضت لها باعتبارها وسيلة لغاية، وأنموذج لمنهج، فليس من منهجي بحث مسائل كهذه، في محاضراتي الثقافية، بيد أن الحاجة تدعو للكشف عن منزلة الرحمة في هذه القضية، ودورها في معالجة كثير من مشاكل المجتمعات، بأسلوب غير معهود، يمكن أن تنتفع به البشرية في الحاضر كما انتفعت به في الماضي.
يغلب على ظني أن الخمر آفة كل عصر، منذ مئات السنين، وأخشى أن أقول بل آلاف السنين، فأطالب بالدليل، وهو ليس بين يدي الآن، ما من شك، أن شرب الخمر عادة سيئة، بكل المقاييس، لم تكد تسلم منها المجتمعات منذ القدم ( فقد تنوقلت على مدى الزمن، من جيل إلى جيل، وغرست جذورها عميقة في الجهاز العصبي، بل وفي كيان أولئك الذين مردوا عليها، وأدمنوها)(1).
ظهر نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في بيئة تعظم الخمر وتفاخر بتعاطيه، ويمكن القول بأنه لم يكد يسلم أحد من رجالها من تعاطي الخمر، إلاَّ أشخاصاً معدودين على الأصابع، حفظ التاريخ لنا ذكرهم، بسبب مخالفتهم لقومهم، وخروجهم على المألوف في حياتهم، وأحفظ من هؤلاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الأول للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يشرب الخمر في حياته، لا في جاهلية، ولا في إسلام.
ولا أدل على تمكن الخمر من النفوس، وتحكمها في مدمنيها، من قصة الشاعر الكبير الأعشى، فقد أعجب بدعوة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وقرر السفر إليه، وإعلان إسلامه، فخشيت قريش إن أسلم أن يمدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة تجعل الناس يسارعون إلى الإيمان به، لشهرة هذا الشاعر.
فقرر أهل قريش، إغراءه حتى يعدل عن رأيه، فقابله أبو سفيان، زعيم قريش آنذاك، وقال له، أين أردت يا بابصير؟ قال أردت صاحبكم هذا لأُسلم، قال أبو سفيان، إنه يحرِّم عليك أموراً إن أسلمت، قال ما هي: قال: الزنا، قال: لا حاجة لي به، قال: ثم ماذا، قال: يحرِّم عليك القمار، قال: لعلي إن لقيته آخذ منه ما يعوضني عن القمار، قال: وينهى عن الربا، قال: ما دنت ولا أدنت، فلا يعنيني هذا الأمر. قال أبو سفيان، فإنه يحرِّم الخمر، وهنا توقف الأعشى، وقال: أوه ارجع إلى بلدي فأشربها بقية السنة ثم آتيه، فعاد إلى بلده، فمات في الطريق (1).
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

