تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

الرحمة أولاً(2)

العربيةقراءة ٧ دقائق

  المحاضرة الخامسة
الرحمة أولاً(2)

أعزائي الحضور ..
تجمع لدي من خلال قراءات ومتابعات، عدد من القواعد أو المعالم التي تظهر لنا كيف أن الرحمة تفرض نفسها على التكاليف، وتؤثر فيها تأثيراً مباشراً، وهو ما سيتضح لنا من خلال استعراض هذه المظاهر(2) :
1) إن الرحمة تسقط التكليف كليةً عن الشخص، وتعفيه منه، فإن فريضة الجهاد، تسقط عن أصحاب الأعذار، كالمريض، والأعمى، والأعرج، وهذا الحكم يسجله قول الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (الفتح : 17 ).
وكذلك يسقط الحج، الركن الخامس، عن الذي لا يستطيع أداءه بدنياً، أو مالياً. وهو ما يبينه قول الله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (آل عمران:97 )، كما يسقط حكم التحريم، عن الأشياء المحرمة، عند الضرورة.
فمن لم يجد إلاَّ الطعام المحرم، والشراب المحرم، إن لم يتناوله عرض نفسه للهلاك، فله أن يأكل منه، ويشرب، وفي بيان هذا الحكم يقول الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: 3 )، إنها الرحمة تكمن وراء هذه الأحكام.
2) إن الرحمة تسقط جزءاً من التكليف، مثل قصر الصلاة للمسافر، فإن الصلاة الرباعية، تصبح ثنائية: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) (النساء : 101 ).

ذكر المفسرون، عند هذه الآية، لفتة لطيفة جميلة، تصب في الاتجاه الذي نتحدث عنه، وكنت قد عزمت على بيانها لكم، ولكني عدلت عن هذا في اللحظات الأخيرة، وأحببت أن تستخرجوها وحدكم، من كتب التفسير، وأرجو أن أسمعها منكم وقد أشرت إليها في محاضرة ماضية، هي والأمثلة التي اقترحت عليكم البحث عنها في المحاضرة الماضية، فأنا في الحقيقة، لم أنس موضوعها، ولكني أردت أن أعطيكم فرصة للبحث.
3) إن الرحمة ترجئ القيام بهذا التكليف، إلى وقت مناسب لظروف الشخص المكلف به، مثل الصيام بالنسبة للمريض، والمسافر، فحيث إنه شاق على هذين الصنفين، فإن الله رحمة منه أذن للمسافر وللمريض أن يؤخرا الصوم، إلى وقت تزول فيه الأسباب التي يشق معها أداء هذا الركن.
4) إن الرحمة تعمل على استبدال عمل يسير بآخر عسير، فالمسافر الذي لا يجد ماءً للتطهر به، والمريض الذي لا يستطيع استعمال الماء نظراً لوضعه الصحي، أجاز الشرع لهما التيمم، وفي هذا يقول الله تعالى: ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6 ).

كذلك بالنسبة إلى الصيام، فإن عجز الشخص المكلف عن الصيام، إما لكبر سنه، أو لمرض دائم يلازمه، يقدم طعاماً لأحد المساكين، عن كل يوم صيام، قال تعالى: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة :184).
وليس يخفى أعزائي الحضور ما في هذه المراتب من مظاهر للرحمة، بادية للعيان، بل إننا نعتقد أن الرحمة كانت وراء كل هذه الأحكام، التي يسر بها الإنسان.
أعزائي الحضور الكرام ..
أود أن أذكر مسألة في هذا الموطن، وأشدد عليها، تتعلق ببعض جوانب هذه المحاضرات، التي تبدو أنها أكاديمية، تخصصية، أكثر منها ثقافية عامة، أحياناً أُوكد لكم أن هذا غير مقصود لذاته.
بيد أن الحاجة تدعو إلى بيان أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي بناء متكامل الأركان، له أسسه، ومظاهره، ويحمل في داخله عوامل بقائه، ويغري الناس في كل زمان ومكان، إلى التوجه إليه، والتفاعل معه، بخلاف ما رأينا من مظاهر رحمة ارتبطت ببعض العظماء، والتي لم تعدُ أن تكون كلمة عابرة، أو موقفاً آنياً، أو سلوكاً شخصياً لا تقوى على البقاء، ولا تسهم في البناء الحضاري للبشرية.
وتحسن الإشارة هنا، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف ببيان هذه الأحكام لأتباعه، وإنما حرص على الترغيب فيها، بالقول، حين قال لأصحابه وهم يسألونه عن إحدى الرخص في العبادات ( صدقة تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته) (1)، وبالفعل كذلك، حين كان مسافراً مع أصحابه في رمضان، فدعا بماء، فرفعه بيديه إلى أعلى حتى يراه الناس، ثم شرب منه(2). وكأن الهدف ترويض النفوس، وحملها على الرحمة، حملاً لتصبح سجية.

إن هذا المنهج، الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم نابع من شدة رحمته بأصحابه، وبمن سيأتي بعدهم، حتى لا يشدد أحد على نفسه، ويتوهم أن ترك هذه الرخص أفضل، وهو ما دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم الاقتصار على بيان الحكم فقط، وإنما تابع تنفيذه، بوسائل عدة، وغضب أحياناً، وعتب على من لا ينعم بهذه الرحمة المهداة لهم من الله الرحيم على لسان نبيه، الذي هو رحمة مهداة أيضاً، وهل تهدى الرحمة إلاَّ رحمة، ومن الرحمة أن نستريح قليلاً.
أهلاً بكم أعزائي الحضور، وأود في بداية النصف الثاني من هذه المحاضرة، أن أصارحكم بأنني في غاية السرور من حرصكم على الحضور، فقد كنت أخشى أن يبدأ العدد بالتناقص بعد عدة محاضرات، بخاصة من أولئك الذين لا يهدفون إلى تقديم شهادة الحضور، التي تمنح لهم إلى جهة علمية، للإفادة منها. فلكم جميعاً مني الشكر، والتقدير، وآمل أن تنمو هذه الثقة، المتبادلة بيننا، لأنها عزيزة وغالية، بخاصة في وقت يعاني كثيرون من أزمة ثقة في مواطن عدة.
أعزائي :
ما زال الحديث موصولاً، عن مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأتباعه سواءً من كان منهم معاصراً له، أو من سيأتي بعد مئات السنين.
ولكن قبل أن أبدأ، أود أن أتيح الفرصة لمن يرغب أن يعرض ما لديه، من أمثلة سبق أن اقترحت أن تأتوا بها، في المحاضرة الماضية، حول رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه.

رفع أحد الحاضرين يده، وهو جالس، وقد تنبهت إلى أنه يستعمل كرسياً متحركاً، فبشت في وجهه، واستمعت له بانصات، فقال: قرأت أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً كبيراً في السن، يمشى بصعوبة، وهو يتوكأ على ولديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بال هذا الشيخ، قالوا: (لقد نذر وقرر أن يمشي إلى الحج ماشياً، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المسلك، وقال إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب)(1).
شكرت د. سارة المتحدث، وقالت: ما رأيكم أن نصوت على الأمثلة التي نسمعها، برفع الأيدي، فوافق الحضور، كل بطريقته، عندها قالت من يوافق على إدراج هذه الحادثة ضمن أمثلتنا، فرفع غالبية الحضور أيديهم بالموافقة.
فوجدتها فرصة أخرى مناسبة لتتجه مرة أخرى إلى المتحدث، نظراً لظرفه الخاص، وتكرر الشكر له، قائلة له من باب المداعبة، لقد فزت بالجائزة الكبرى، في هذه المحاضرة، وهي ثقة الحاضرين بك، فأبدى سروره، وشكرها هي والحاضرين.

ثم أتاحت الفرصة لمتحدث آخر، فقال: وجدت قصة مماثلة لقصة سبق ذكرها، وهي أن صحابياً يدعى أبا ذر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، في بداية دعوته، وأعلن إسلامه، وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى معه، فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى بلده، لأنه لن يطيق الوضع في مكة، رحمة به وشفقة عليه(1).
أعتقد أن الدافع إلى هذه النصيحة من الرسول صلى الله عليه وسلم هي رحمته به بخاصة أنني أحببت أن أعرف المزيد عن هذا الصحابي، فمر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في بعض المواطن، إنك امرؤ ضعيف(2) ، وهو ما يؤكد ما ذكرته.
اتجهت د. سارة إلى الحضور، تستطلع آراءهم، فأبدوا موافقتهم على إدراج هذا المثال ضمن الأمثلة التي تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه.

سألت الحضور من لديه الرغبة في أن يزيدنا شيئاً، وهنا رفعت إحدى الحاضرات يدها، قائلة: أنا رجعت إلى تفسير الآية التي تتحدث عن قصر الصلاة، وبحثت عن اللفتة الجميلة التي تحدثت عنها، وأظنني وجدتها.
سرت الدكتورة سارة بهذا ، وقالت: تفضلى بذكرها. فقالت: قرأت في كتب التفسير النص التالي: أن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، إن الله يقول: ( إن خفتم )، وقد أمن الناس؟ فقال له عمر عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( صدقة تصدق بها عليكم، فاقبلوا صدقته)(1) ، بادرتها د. سارة قائلة: لقد أصبت وأحسنت، إن هذا ما أردت قوله.

ذلك أن التخفيف في بداية الأمر من عدد ركعات الصلاة، كان بسبب خوف المسلمين من أعدائهم في أثناء السفر، أو القتال.
كان يتوقع بعض الصحابة أن يلغى هذا الحكم بعد أن زال خطر أعدائهم، وأصبحوا آمنين.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم حتى بعد الأمن، وزوال الخطر، فإن الحكم باق على حاله، صدقة من ربكم، وهدية لكم رحمة منه، وهو ما يؤكد أن الرحمة مقصودة لذاتها في التكاليف الشرعية.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع