معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(5)
المحاضرة الرابعة
معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(5)
أعزائي الحضور ..
أمامي أحداث رحلة العمرة وأعني بها تلك الرحلة التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في السنة السادسة من الهجرة، قاصداً مكة المكرمة، لأداء العمرة.
وحرص أن يخرج معه بعض القبائل، المجاورة له، حتى يتجنب المواجهة مع قريش، لكن هذه القبائل اعتذرت عن عدم الخروج.
أُخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشاً علمت بمقدمه عليهم، وخرجت لمواجهته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الطريق، لتفادي الاشتباك مع قريش (1)، وفضل أن يسير طريقاً وعرة متعبة، على أن يواجه أعداءه، حتى لا تحصل بينهما حرب، رحمة بالطرفين.
لقد أكد هذا المعنى لوفد خزاعة، الذي قام بدور الوسيط بينه وبين قريش، حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إن قريشاً تضررت كثيراً، بسبب استمرار الحرب، وأنا اقترح عليهم هدنة. وما هذا إلا دليل على كراهيته للحرب، مع قدرته على خوضها، ولكن الرحمة تقتضي حقن الدماء.
لم يقتصر على هذه الوساطة، بل أرسل أحد أفضل أصحابه، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ليبين لقريش أن الرسول ما جاء إلاَّ زائراً للبيت معظماً له ولا يريد حرباً أو مواجهة.
استمر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المنهج المسالم، حتى عندما بلغه أن قريشاً قتلت رسوله إليهم عثمان، وتبين فيما بعد أن الخبر غير صحيح ، أغضبه ذلك كثيراً، وأغضب أصحابه، فبايعهم على الموت، إذا دعت الحاجة إلى مواجهة قريش، ومع هذا أبقى الباب مفتوحاً مع قريش وقال بشأنها ( والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيه حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)(2).
لقد وافق النبي صلى الله عليه وسلم على شروط قريش الظالمة، والمجحفة، وقد أثارت غضب بعض الصحابة، وهي في ظاهرها كذلك، فقد تضمنت أن يرجع النبي وأصحابه هذا العام، وشطبت من عقد الصلح كلمة محمد رسول الله ، إلى غير ذلك من الشروط الظالمة.
لقد تضمن موقف النبي صلى الله عليه وسلم هذا دعوة إلى تقديم المصالح العامة على رغبات القادة، وأهدافهم الخاصة.
إن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رحمة البلاد ومقدراتها، فهي لجميع الأطراف، وكأنه يقول: إن أية دعوة تهدف إلى المحافظة على الكعبة ومكة، فأنا موافق عليها مباشرة.
هذه دعوة نرسلها إلى بلاد كثيرة نسمع أخبار القتال فيها يومياً، والضحية فيها الممتلكات والمقدسات، وبالتالي يكون الجميع خاسراً.
لكن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أراد أن يكون الجميع كاسباً والبلد سالماً.
لم يحدث في تاريخ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي مضى عليها قرابة عشرين عاماً، أن تبرَّم الصحابة بين يديه، وكأنهم يعترضون عليه، وهم لا يقصدون هذا، وهي سابقة لم تحدث قط .
أعزائي الحضور ..
لم يكن يخطر ببالي قط أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يحل هذه المشكلة، ويتجاوز بأصحابه هذه المحنة، بكلمة الرحمة، وبالدعاء بالرحمة لا غير.
من حقكم أن تسألوا كيف كان ذلك، بعد أن تم عقد الصلح، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا هديهم، وأن يحلقوا رؤوسهم، حتى يتحللوا من الإحرام، فلم يجب أحد منهم لشدة ما بهم من غم وقهر، حتى بعد أن كرر الأمر ثلاثاً.
دخل ساعتها على زوجه أم سلمه، وذكر لها ما حدث، فقالت له يا رسول الله، لا يخفى عليك حالهم، ولكن اقترح عليك أن تنحر وتحلق، ففعل هذا، ثم خرج عليهم، وقال لهم، يرحم الله المحلقين، قالها ثلاث مرات، فقاموا فنحروا، وأخذ بعضهم يحلق لبعض، حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً غماً(1).
لقد أطلت عليكم بسرد هذه الأحداث، والحق أنها ليست مقصودة لذاتها، ولا أود أن أسترسل في التحليل، والتعليق عليها، وأدع هذا لفطنتكم. والتي لن تغيب عنها ظاهرة الرحمة، والحرص على استحضارها، وإشاعتها، منذ أن خرج من بيته، حتى ابرم الصلح مع قريش، وتجاوز الأزمة مع أصحابه، على الرغم من العقبات الكثيرة، والاستفزازات المتلاحقة، والتي أعرضت عن التفصيل فيها.
لكن اسمحوا لي أن أقول تصوروا معي لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تابع أصحابه، واستغل حماستهم، وتجاوبهم معه، وبيعتهم له على الموت، لو وظف ذلك كله، وأصر على الدخول إلى مكة، وأصرت قريش على موقفها، لحصل بينهم قتال، لا تحمد عقباه، وربما قتل فيه المئات من الطرفين، لأن التحفز وصل مداه، والتحدي من الطرفين بلغ مبلغه.
إن شيئاً من هذا لم يحصل، لأن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت حاضرة، مع كل حدث، هي الموجهة له، وهي المهيمنة عليه، حتى وإن أدى هذا إلى حرج للنبي صلى الله عليه وسلم من أتباعه، وأعدائه، على السواء.
لقد تحمل ما تحمل، كما أشارت مجريات الأحداث، ولكنه لم يغير أو يتنازل عن منهج الرحمة، والتي برزت مظاهرها بكل وضوح على الفريقين، فيما بعد. فقد توقفت الحرب لسنوات، وتبادل الأقارب من الطرفين الزيارات، وأسلم من الكفار العشرات.
ألا يمكن القول بعد هذا، إن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم قاتل بالرحمة خصومه، وساس بالرحمة أتباعه.
أذكر في هذا المقام مقولة سجلتها عندي للعالم الأسباني جان ليك حين قال ( لا يمكن أن توصف حياة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بأحسن مما وصفها الله بقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107 ) لقد كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم رحمة حقيقية، وأني أصلى عليه بلهفة وشوق(1).
شكرت الحضور، قائلة للحديث بقية، وإلى اللقاء
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

