معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(4)
المحاضرة الرابعة
معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(4)
أعزائي ..
سوف أوضح ما سبق إيجازه، من خلال ذكر بعض الأحداث، والوقائع، التي ذكرت في عشرات الكتب، وأود أن أذكر لكم، بهذه المناسبة، أني من اشد الناس نفوراً من الأساطير، وهي للأسف موجودة في سير عدد من العظماء المتقدمين، بخاصة أولئك الذين لا يعرف عن سيرتهم الشيء الكثير، وهو ما جعل أتباعهم ينسجون حولهم الحكايات، ويضعون الأساطير والقصص الخيالية في سيرتهم، ظناً منهم أن العظمة تعني الخروج على مألوف الناس، وأن المرء لا يكون قديساً ، حتى تبدو منه أمور خارقة، غير ممكنة من غيره من البشر.
لقد فات هؤلاء أنَّ البشرية لا تتأثر بالأسطورة أياً كانت، لأن الأسطورة لا تسهم في تربيتها، وإن استوقفتها في بداية الأمر، واستسلمت لها حيناً من الدهر، وهي تعلم أنها أسطورة ، وربما أعجبت بها، أو بتعبير أصح، تعجبت منها.
أعتذر أعزائي عن هذا الاستطراد، الذي لا أعدكم أني سوف أتركه، ولكني أعدكم أن اعتذر إليكم، كلما شعرت أني استطردت في حديثي، إذا تذكرت أو ذُكِّرت، وأعود إلى ما كنا بصدد توضيحه.
سمعتم جميعاً بقادة وزعماء عظام، أمثال الاسكندر المقدوني، وهولاكو، ونابليون، وهتلر، حدثنا التاريخ عن هؤلاء أنهم كانوا محل أعجاب أتباعهم، واستطاع كل واحد منهم، أن يحشد حوله مئات الألوف من البشر، وحدثنا التاريخ أيضاً أنهم استغلوا هذه الجموع الغفيرة بسبب إعجابها بهم، ومتابعتها لهم، واستخدموها في تحقيق أغراضهم بغض النظر عن الأخطار التي تحدق بهم، أو الأضرار التي ستلحق بهم.
ليس أحد منكم بحاجة إلى أن اذكر له ماذا صنع هتلر بجيشه، ولا ما صنعه هولاكو من قبل، أو ما صنعه نابليون الذي عُرف عنه استغلاله لجنوده، وقد سجل هذه الحقيقة من درسوا شخصيته، وتابعوا معاركه، منهم العقيد محمد أسد الله صفا الذي يقول ( كان نابليون يسهر على مصالح خدمة جنوده، لكنه كان يستغلهم دائماً بقسوة لا متناهية )(1).
لا يشك أحد منصف، أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حاز على حب جميع أتباعه، وعلى ثقتهم المطلقة، وهو ما تعذر توفره لكثير من القادة، فقد يكون القائد محبوباً، ولا يكون موضع ثقة، لاعتبارات أخرى، والعكس كذلك، فقد يثق الجنود بقائدهم وبقدراته، ولكن ليس بالضرورة أن يحوز على محبتهم، لأسباب لا تخفى.
إن الأحداث التي بين أيدينا، تؤكد أن محمداً نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لم يكن من هذا الصنف على الإطلاق، فلم يسجل لنا التاريخ حادثة واحدة تدل على أنه استغل هذه المحبة واعتمد على هذه الثقة ليذهب بأتباعه حيث شاء، ويحقق من خلالهم ما يصبو إليه، دونما اعتبار للمنهجية الأخلاقية، وفي مقدمتها وعلى رأسها الرحمة، لأنها ذاك الخلق الذي يحتاج إليه الأتباع، من المتبوع، وربما لا يتطلعون إلى غيره في ظروف كثيرة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى هذا الدين، بكل تلطف ورحمة، حتى لا يحمل نفوس أتباعه فوق ما تطيق، بل إنه كان في بعض الأحيان، ينصح من جاء ليتبعه، ويبقى معه، أن يعود إلى بلده، حتى لا يتعرض للأذى رحمةً به، وشفقة عليه.
فهذا عمرو بن عبسه السلمي، جاء إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، في بداية الدعوة، فأسلم وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى معه يسانده، فقال له النبيصلى الله عليه وسلم ، رحمةً به، وتخفيفاً عنه ( إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي، وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني)(1).
إنها الرحمة التي جعلت نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يقدم مصلحة الرجل الخاصة على غيرها، واتمني على أصحاب الدعوات، وقادة الحركات في عالمنا المعاصر، أن يستوعبوا هذا الدرس، ولا يدفعوا أتباعهم إلى المهالك وهم بعيدون عنها سالمون. حين أمره أن لا يعرِّض نفسه للأذى، والعذاب.
لقد أثمرت الرحمة هذه ، فقد حفظ الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم حرصه عليه، ورحمته به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأقام دولة، جاء هذا الرجل، فدخل عليه، وقال له، هل عرفتني، قال له النبي صلى الله عليه وسلم ، نعم أنت الذي لقيتني بمكة(1).
كان النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة ماسة لهذا الرجل، لقلة من كان معه، لكن النبي رحمه، لأنه وحيد غريب، وتوقع النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحق به أذى كبير، فقال له : (أنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، إلا ترى حال وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني)
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لحال هذا الرجل الصادق، كانت مقدمة على رغبته في بقائه، للإفادة منه في نشر الدعوة.
يصعب على من يتتبع مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأتباعه أن يغفل عن قصة عمار بن ياسر الذي كانت أمه أول من ماتت في سبيل هذا الدين، ولحقها أبوه بعد أن لقي أشد العذاب من كفار قريش.
كان كفار مكة يأخذون هذا الشاب، ويعذبونه عذاباً شديداً، حتى لا يدري ما يقول، وكانوا يطلبون منه أن يشتم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتوقف عنه العذاب، ففعل، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه ، ما وراءك يا عمار ، قال شرٌ يا رسول الله: ما تركني المشركون حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف تجد قلبك، قال مطمئناً بالإيمان، عندها قال له فإن عادوا فعد(2).
لقد بلغت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه مبلغها، حتى وصل الأمر به إلى أن يأذن لأحدهم أن يسبه شخصياً لينجو من عذاب المشركين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما منحه إذناً مفتوحاً. وكأنه يقول له كلما خيروك بين شتمي وبين العذاب فاختر شتمي ولا عليك، وكأني بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحادث عماراً يتذكر بكل ألم أمه التي قتلت وأباه الذي مات بعد التعذيب، فرقَّ له قلبه، ورحمه هذه الرحمة الواسعة.
أترك لكم أعزائي الحضور تصور رحابة هذه الرحمة التي أفاضها النبي صلى الله عليه وسلم على عمار.
وهذا شاب آخر دفعته محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وشدة إيمانه بما يدعو إليه، إلى أن يتقدم من النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرض عليه أن يستعين به لقتال أعدائه، على الرغم من شعوره بعدم رضا والديه وقت خروجه، لنسمع أعزائي قصة هذا الشاب.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إني جئت أريد الجهاد معك، أبتغي وجه الله، والدار الآخرة، ولقد أتيت وإن والدايَّ يبكيان، قال: فارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما (1).
أين هذا من حسرة آلاف الأمهات اليوم، ومن صرخاتهم، وهن يشاهدن أبناءهن يساقون إلى المعارك، دون علمهن، ودون مشورتهن، وكم نرى في وسائل الإعلام يومياً صوراً لأمهات ثكلى يصرخن، وهن يحملن صور أبنائهن، إما لأنهم قتلوا، أو أسروا، أو فقدوا، ولا أحد للأسف يسمع لهن، أو يمسح دموعهن، أو يقدر وضعهن، ولا تكاد تخلو بلد فيها حروب من هذه المناظر المؤسفة، ولا من جماعات وجمعيات لأمهات القتلى تطالب بالرحمة ولا مجيب .
لقد أبت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتجاهل هذا الشاب بكاء والديه، فأمره بالرجوع إليهما، حتى يعيد إليهما البسمة، لعلكم تتفقون معي أن أمهات اليوم يتمنين رئيساً يتخلق بهذا الخلق النبوي الرحيم ، يكون أباً للجنود ، وأخاً لأمهاتهم.
توقفت د. سارة برهة، وسألت الحضور قائلة من منكم بوده أن يسأل ويقول قد تكون هذه الحوادث فردية وخاصة بهؤلاء الأشخاص، ولا تمثل منهجاً عاماً. رفع قرابة سبعة أو ثمانية أشخاص أيديهم.
قالت لهم: إنه تساؤل مشروع، وقد خطر ببالي منذ عدة أيام، ولكنه سرعان ما ذهب أدراج الرياح، بعد أن وقفت على حوادث أخرى سأذكر لكم بعضها، وبهذه المناسبة، ما رأيكم لو أن بعضكم بحث في المصادر التي تحدثت عن سيرة نبي الرحمةصلى الله عليه وسلم لعله يجد أحداثاً مشابهة، وصوراً مماثلة، والأمر على أية حال، اختياري، لعلمي أن كثيراً منكم لديه ارتباطات والتزامات.
أعود للموضوع، فأقول إن الرحمة، لم تغب عن أي من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتعذر على المتأمل أن يرى الرحمة كامنة، وراء هذه المواقف، أياً كانت الظروف.
عندما اشتد العذاب على المسلمين الضعفاء في مكة، رق قلب النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وأمرهم بالهجرة إلى بلاد الحبشة، ورغبهم بالسفر إليها بقوله ( إن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد (1))، فهاجر عدد كبير، فوجدوا فيها الأمن والأمان.
هذه أم سلمه، واحدة من أوائل من أسلم، وصارت فيما بعد زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأماً للمؤمنين، تحدثنا عن هذه الحادثة، فتقول لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله، وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه، وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره، مما ينال أصحابه.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحدٌ، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا إليها حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار على خير جار، ولم نخش منه ظلماً)(2).
لا يخفى عليكم أعزائي الحضور، من سياق هذه الحادثة أن الرحمة والشفقة على هؤلاء هي التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يطلب منهم الخروج من مكة إلى الحبشة، على الرغم من حاجته إليهم، ورغبته في بقائهم بجانبه.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

