معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(2)
المحاضرة الرابعة
معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(2)
فقد ذكر أسامة بن زيد رضي الله عنه، أحد الصحابة المقربين منه، قال: ( كنا عند النبيصلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً لها، أو ابناً لها في الموت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم، أرجع إليها فاخبرها إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الشخص وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها قد أقسمت لتأتينها.
قال فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وقام معه سعد بن عبادة رضي الله عنه، ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة(1) ، ففاضت عيناه، فقال سعد، ما هذا يا رسول الله ؟ قال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء(2).
إن سؤال هذا الصحابي الذي يحمل شيئاً من التعجب، ليدل على أن الثقافة السائدة آنذاك تستهجن أن يبكي العظيم، لأنه قد يصغر في عين قومه، فوجدها النبي صلى الله عليه وسلم فرصة مواتية لتصحيح المفاهيم.
لقد صعب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر هذا الموقف لأنه لا يحتمل أمثاله، رحمةً منه بهذا الطفل، ورحمةً منه بأمه، ولكن لما حضر بكى لهذا الموقف المؤثر، وبعض أصحابه ينظرون إليه، فوجدها فرصة مناسبة ليبين لهم أن هذا الموقف يستدعي البكاء الدال على الرحمة، والله الرحيم يكافئ الرحيم من عباده فيرحمه.
وعندما توفى ولده إبراهيم بكى لفراقه (3)، إضافة إلى مواقف أخرى كثيرة بكى فيها، والصحابة ينظرون، ويشاركونه البكاء فيها، بكل عفوية، وصدق، إنها دعوات واضحة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة التفاعل الإيجابي، مع المواقف بما يناسبها، وإلى التحذير من الاتصاف باللامبالاة، والقسوة والجمود.
واسمحوا لي أن أذكر في هذا المقام شهادتين لاثنين من كبار زعماء العرب الذين كانوا من أشد خصوم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وقد شهدا هذه الشهادة قبل إسلامهما، وهما أبو سفيان بن حرب وعروة بن مسعود الثقفي.
فقد قال الأول: ( ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً(1)، أما عروة الثقفي فقد قال : ما نصه وهو يخاطب قريشاً : والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً)(2).
لهذا الحب، آثاره وثماره، فلقد كان أصحابه شديدي الحرص، على متابعته، فيما يصدر عنه، من قول أو فعل، وكانت لديهم رغبة شديدة في التشبه به، في كل أحواله، وأحسب أن خلق الرحمة في طليعتها.
4. حذَّر أتباعه من قسوة القلب،وعرَّض بمن يعرض عن الرحمة، وشدد عليه بالقول، مهما كانت منزلته.
فهذا الأقرع بن حابس، أحد زعماء قبيلة بني تميم، وهو من الشخصيات المعروفة في عصره، دخل على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم محمد يوماً في حاجة له، وكان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم طفل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبله ويحنو عليه، فتعجب الأقرع من هذا التصرف، وكأنه استنكره حين قال للنبي: أتقبلون أطفالكم؟ إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً.
نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ووبخه، وكان مما قاله له، من لا يَرحم لا يُرحم، وقال له: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة(3).
أحسب أن الأقرع كان يتوهم أن تقبيل الأطفال وملاعبتهم يتنافى مع الزعامة والعظمة، وهو ما جعله يستهجن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وربما زاد استهجانه أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا أمامه، وكأن مجلس الكبراء لا يتسع لتقبيل طفل.
أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي الأقرع درساً يفيد منه من حضر اللقاء ومن سوف يصلهم أخباره سريعاً، إن العظمة تكمن في البساطة، وتظهر في الرحمة.
هذا مشهد آخر، تظهر فيه الرحمة بأبهى صورها، فهاهم ثلاثة أطفال، أبناء عمه العباس وهم: عبد الله ، وعبيد الله،وكثير، كان يصفُّهم صفاً على مسافة منه، ثم يدعوهم للسباق، ويقول لهم: ( من سبق إليَّ فله كذا وكذا، فيسبقون إليه فيقعون على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وصدره ، فيحتضنهم ويقبلهم )(1). ولَكُم أن تتصوروا أعزائي الحضور، حالة رجل يتدافع إليه ثلاثة أطفال، ويتزاحمون عليه، أيهم يكون الأقرب منه، والأولى بجائزته، إنه مشهد يفيض رحمة، وعفوية ،وتبسط .
لقد تذكرت في هذا الموقف، كيف أن كثيراً من الزعماء يتوددون إلى الناس في المناسبات، أو في مواسم الانتخابات بالاحتفاء بالأطفال كمرافقتهم أو مداعبتهم، أو تقبيلهم، لأنهم يعلمون أن هذه التصرفات تظهر للناس الوجه المشرق فيهم، وتقربهم إلى قلوب جماهيرهم.
بيد أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم كان يتمثل هذه المعاني بأقواله وأفعاله قبل 1400 سنة بكل عفوية صادقة، وبنية خالصة.
سعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يتخلق الناس بخلق الرحمة من أجل أنها إحدى صفات الله الكريمة، لا من أجل أي دافع آخر، ومن الأساليب التي استعملها في هذا المقام، حثهم على التوسع في ممارسة الرحمة، مع المخلوقات الأخرى، لتصبح الرحمة أصيلة في قلوبهم، عفوية في تعاملاتهم.
فقد ذكر صاحبه الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق الرسول لحاجته، فرأينا حمرّة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تُفرِّش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولديها؟ ردوا ولديها إليها.
ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: ( من حرق هذه ؟ قلنا نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلاَّ رب النار )(2)
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قصتين، تتصلان بهذا المعنى، فقال: فيما يرويه عنه صاحبه أبو هريرة رضي الله عنه بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسك بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال ( في كل كبد رطبة أجر)(1).
وفي قصة أخرى مماثلة، يحذر من القسوة على الحيوان، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( عذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها، ولا سقتها، إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)(2).
لقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه التوجيهات والقصص والممارسات، لأنها كفيلة بأن تعطي الرحمة بعداً عميقاً في النفس، وتدفعها لأن تنشئ رقابة ذاتية في النفس لرعاية هذا الخلق، وهو ما يحتاجه كل فرد على هذه الأرض ، كأن هم النبي الأول، وشغله الشاغل هو نشر الرحمة، والحرص على ممارستها، لتصبح كما ذكرت سابقاً خلقاً جماعياً، ومَعلماً اجتماعياً، يحكم العلاقات، ويسهم في حل المشكلات، أو محاصرتها.
لقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يرسخ في أذهان أتباعه، ومحبي الفضائل، حب الرحمة، والعمل بها في كل حين، وعلى أية حال، دونما ربط لها بدوافع دنيوية، أو آنية، كتلك التي تحدث عنها علماء الأخلاق.
توجد هذه التربية شعوراً داخلياً، لدى أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بأن الرحمة محببة لذاتها، مرغوبة لآثارها الطيبة، عاجلة كانت أو آجلة، فينشأ عن هذا، أنه إذا خلا مسلم بكلب رحمه، وإذا ظفر بهرة لا يعذبها، بل يرفق بها، وإذا أمسك بطير صغير في فلاة من الأرض، أشفق عليه ورحمه.
وكانت تبدو من النبي صلى الله عليه وسلم رحمة ظاهرة بالضعفاء من الناس، كالخدم، فإنه كان يحث على التخفيف عنهم رحمةً بهم، وكان ينهى عن القسوة عليهم، فقد ذكر خادمه أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب في حياته خادماً قط.
وحث النبي صلى الله عليه وسلم الناس على رحمة هذا الصنف من الناس،مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المجال: ( هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)(1).
وثمة لمسة حانية أراها في النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوجه الناس، إلى مسألة قد تبدو جزئية، ولكنها ذات دلالة كبيرة، فها هو يقول للناس، فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عنه ( إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاء به وقد ولي حره ودخانه فليقعد معه فليأكل، فإن كان الطعام قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين)(2)، يعني لقمة أو لقمتين.
يا له أعزائي الحضور، من توجيه يغرس الرحمة غرساً هادئاً ولطيفاً في النفوس، حين يحث الناس على أن يجلسوا خدمهم معهم ليأكلوا من الطعام الذي صنعوه، فإن تعذر هذا، فلا أقل من أن يعطي صاحب البيت الخادم بعضاً من هذا الطعام، رحمةً به وجبراً لخاطره.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

