تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(1)

العربيةقراءة ٥ دقائق

  المحاضرة الرابعة
معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر(1)

توافد المتابعون لهذه المحاضرات على القاعة، وكانت الدكتورة سارة قد سبقت أكثرهم إليها، ويشعر المراقب لوقائع هذه المحاضرات، أن المحاضرة الرابعة قد تختلف عن سابقتها، فبعض الحاضرين متحفزون، دخلوا القاعة وهم ينظرون في كراسات يحملونها، ولا يخلو الحال من مناقشات جانبية، أكثرها غير مسموع.

بدأت الدكتورة سارة المحاضرة بالقول، الحديث في الدقائق العشرة الأولى لكم أيها الأعزاء، حول التساؤل الذي أثير في نهاية المحاضرة الماضية، كما تعلمون.
وقف أحدهم من الصف الأول، وكان يبدو عليه أنه في الستينيات من عمره، وقال: أعتقد أن الإجابة عن هذا التساؤل سابقة لأوانها، إذ ليس من السهولة بيان هذا الأمر، قبل الاطلاع على بقية سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، واستعراض أحداثها، وهذه وجهة نظري .
أرجو أن لا تمنع الآخرين من إبداء آرائهم، ثم شكر الدكتورة وجلس، التي بدورها لم تعلق بشيء، وإنما اكتفت بالابتسام ورد التحية وشكره على مشاركته.
عند ذلك وقفت امرأة ، يبدو عليها التردد، ونظرت حولها، لترى هل من أحد لديه الرغبة في الحديث قبلها، فلما لم تر أحداً، قالت: وجهة نظر المتحدث الكريم جميلة وتستحق التقدير، لكن يبدو لي أنه مرَّ بنا بعض أحداث تخدم قضيتنا ولا يحسن إغفالها،
إن منهج العفو والرحمة الذي سلكه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لم يكن من تلقاء نفسه، بل أمره الله تعالى به، كما رأينا في التوجيهات القرآنية الماضية، والنبي قطعاً، يلتزم بهذه التوجيهات بحذافيرها، مما يعنى أن هذا الخلق، لم يكن وليد الظروف، والإمكانات، وباجتهاد من النبي والأحداث تشهد لهذا الملك بخاصة بعد تبدل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد.
أرجو أن تكون فكرتي قد وصلت، وأنا قطعاً لا أملك إمكانات الدكتورة وقدرتها على التعبير، بادرت الدكتورة بشكرها، والثناء على طرحها الموفق إلى أبعد حد.
قالت الدكتورة، بقى من الوقت ما يسمح لشخص ثالث بإبداء رأيه، فقال أحدهم من آخر القاعة، بصوت مرتفع، أنا هو، فالتفت أكثر الحضور إليه، فبادر بالقول، يبدو لي أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يرد الإساءة بمثلها، لأمكنه هذا، فأنتم تذكرون أن أتباعه، طلبوا منه غير مرة، أن يأذن لهم باستعمال القوة، للدفاع عن أنفسهم، فلم يسمح لهم، وقال لهم بكل وضوح وصراحة، لم يؤذن لي بعد، فالمسألة إذن ليست مسألة ضعف، وعجز، وشكراً.

هنا تحدثت د. سارة، فقالت: أرجو المعذرة، فأنا لم أقصد أن أمنع أحداً من إبداء رأيه، عندما حددت الوقت بعشر دقائق، وها أنا أقول، من لديه رأي بما نحن بصدده، فليتفضل بطرحه .
فوقف شاب تعرفه الدكتورة جيداً لأنه من طلابها في الجامعة، فقال بلغة حماسية، ما الذي كان يمنع أتباع نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا يعذبون بالنهار من الانتقام لأنفسهم من أعدائهم بالليل مثلاً، ونحن نعرف طبيعة المكان الذي وجد فيه هؤلاء الناس، فهو قطعاً من حيث إمكاناته ليس مثل إحدى المدن المعروفة لدينا هذه الأيام وشكراً.
أعجبت د. سارة بحماس الشاب المتكلم، وبسرعة حديثه، وشعرت أنه لفت انتباه الحاضرين، فشكرته وشجعته، ثم قالت: أعزائي الكرام: كم أنا مسرورة في هذه اللحظات، ولا أدري هل سروري نابع مما سمعت من آراء تدل بوضوح على استيعابكم لما أطرحه، أو أنه نابع من تفاعلكم مع هذه المحاضرات، الذي أشعر أنه ينمو ويزداد، لأننا جميعاً ننتظر تتابع الأحداث، لنرى هل ستشهد للقول بأن الرحمة خلق أصيل في نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لا يتغير ولا يتبدل، أم تشهد للقول بأن الرحمة والتسامح، كانت آنيِّة بسبب الضعف ، وقلة الإمكانات.

أيها الحضور الكريم ..
سعى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم منذ بداية أمره، إلى وضع معالم لما يمكن أن تسمى بمصطلحات العصر، نظرية أخلاقية في مجال الرحمة، وهذا ظاهر من خلال الأقوال والممارسات التي صدرت عنه، وأحسب أني قادرة على بيانها من خلال المظاهر التالية :
1. من خلال تذكير أتباعه على الدوام، بأن الله تعالى رحمن رحيم، وذلك عن طريق المداومة على قراءة القرآن، وحسبنا أن نعرف أن المسلم يردد (الرحمن الرحيم) في اليوم قرابة ثلاثين مرة، في صلوات الفرض والتطوع، عندما يقرأ الفاتحة، في كل ركعة من صلاته، والتذكير برحمة الله، يحمل المسلم على التخلق بها.
ومن مظاهر رحمته سبحانه بمخلوقاته جميعاً، أنه أنزل من السماء جزءاً من رحمته إلى الأرض، من أجل هذه المخلوقات، وهذا ما أوضحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)(1).

إن في التنويه برحمة الفرس ولدها، إشارة لطيفة إلى تراحم الحيوانات، والناس أولى وأحوج لهذا التراحم، لأنهم أشد فتكاً ببعضهم حين تغيب الرحمة، وتحل القوة والكراهية.
2. حرص نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم على تذكير أتباعه بمنزلة الرحمة، وأهميتها، والتأكيد على أنها ليست خلقاً تكميلياً جمالياً، بل هي خلق لازم واجب، فكان مما قاله في هذا المقام: ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)(2) ، وقال لهم أيضاً: ( الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء)(3).
مما يحسن التنويه إليه، في هذا المقام، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسعى إلى نشر ثقافة الرحمة على أوسع نطاق، بين الناس، ولم يكتفِ من أصحابه بالرحمة الخاصة التي تكون لا محالة بين أبناء الأسرة الواحدة، وبين الأقارب، والأصدقاء الخُلَّص، فهذه رحمة محمودة، ولكن يحتمل أن يكون لها دوافع أخرى.
ها هو النبيصلى الله عليه وسلم في سبيل هذا المفهوم، يقول لأصحابه( لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم، قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة)(1)، وهذا توجيه حسن يسهم في نشر ثقافة الرحمة بين الناس، من حيث هي خلق مستحب، وقيمة إنسانية عظيمة.
وكان يفاضل بين أصحابه، بقدر تمثل الرحمة في نفوسهم، ويجعلها ميزة لهم، فهاهو يقول ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)(2)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في موطن آخر (أرحم هذه الأمة بها أبو بكر)(3)، وهذا تنويه من النبيصلى الله عليه وسلم بمنزلة الرحمة، وبقيمتها حين كشف لأصحابه، أنها من مسوغات تفضيل أبي بكررضي الله عنه عليهم جميعاً.
3. ممارسة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لهذا الخلق، في شؤون حياته كلها، دونما تكلف، أو تصنع، فقد زار قبر أمه، وجلس عنده، فبكى بكاءً شديداً، والصحابة حوله(4) .
وزار يوماً أحد أصحابه، وكان مريضاً، وهو سعد بن عبادة رضي الله عنه، وكان معه عدد من أصحابه، فلما دخل عليه، ورآه بكى النبي صلى الله عليه وسلم لحاله(5). بل كان نبي الرحمةصلى الله عليه وسلم ذا حس مرهف، يتجنب بعض المواقف، لأن نفسه الرحيمة لا تتحملها.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع