سوء الفهم، لماذا ؟(4)
المحاضرة الثالثة
سوء الفهم، لماذا ؟(4)
كما عذَّبوا أتباعه، بأبشع صور التعذيب، فقد قتلوا سمية بنت خباط، بعد تعذيبها(2)، وهنا توقفت الدكتورة سارة عن الكلام قليلاً، ثم نظرت إلى الحضور، وهي تتبسم، ويبدو عليها بعض التأثر، وقالت لهم، يسعدني أن أنحاز مرة أخرى في هذه المحاضرة إلى بنات جنسي، لأقول لكم، إن امرأة كانت أول من ضحى بنفسه، وقتل في سبيل تعاليم دين الرحمة، ثم مات زوجها ياسر تحت التعذيب، وتعددت صور التعذيب، وامتدت إلى فترات طويلة.
قبل أن أسترسل في عرض هذه الأحداث، أود أن أشير إلى مسألة منهجية ذات أهمية، خلاصتها أنني حين أعرض هذه القصص والحوادث أمامكم، إنما أريد أن أخلي بينكم وبينها بغية استخلاص ما فيها من معالم ودروس تُظهر معالم نشر الرحمة بين الناس.
وثمة أمر آخر لا يقل أهمية، وهو أن طبيعة المحاضرات الثقافية، تستوعب ذكر هذه القصص الصحيحة الثابتة، لأن النفوس تأنس بها، بخاصة أننا بحثنا عن مثلها في سير العظماء الذين سبقوا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فلم نكد نظفر بشيء منها.
وأمر ثالث أختم به، وأرجو المعذرة لهذا الاستطراد، وهو أني كنت أحب كثيراً وأنا على مقاعد الدراسة أن يذكر لنا المحاضر مثل هذه القصص، لأنها في نظري تختصر المسافة كثيراً، وافترض أنكم مثلي، عندها تكلم بعض الحاضرين بما يفهم منه الموافقة على كلامها.
ولا يفوتني هنا أن أذكر أيضاً، صورة من صور التعذيب، التي حصلت لامرأة على يد أهل مكة، وهذه المرأة هي أم سلمه، التي صارت فيما بعد زوجة للنبيصلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها، فقد ذكرت طرفاً من قصتها هذه، أدعها تقصها عليكم ( قالت: لما قرر أبو سلمة الهجرة ـ تعني زوجها ـ ، حملني أنا وابني سلمة على بعير لنا، وخرج بنا إلى المدينة، فاعترضه رجال من بني المغيرة، وهم أهلي، وقالوا له: لا ندعك تخرج بابنتنا، وأخذوني منه ومعي ابني، فلما رأى بنو عبد الأسد ـ وهم أهل زوجي ـ ما صنع أهلي ، قالوا: والله لا نترك ابننا عندها، إذ نزعتموها من صاحبنا.
قالت: فتجاذبوا ابني بينهم، حتى خلعوا يده، وظفر به أهل زوجي، بنو عبدالأسد، وانطلق بي أهلي بنو المغيرة، ففرق بيني وبين زوجي، وبين ابني الصغير بعد أن خلعت يده، فكنت أخرج كل يوم إلى أطراف مكة، فما أزال أبكي من الصباح حتى المساء سنة، أو قريباً منها)(1)
ولا أود أن أعلق شيئاً على هذه القصة، فحسبها أن تكون لوحة مأساوية، تتحدث عن نفسها.
كان الرد من نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى التسامح والتراحم، وهو أمر شاق على النفوس، وكان للقرآن الذي ينزل بمكة آنذاك دور في نشر ثقافة الرحمة، فقد كان يحث على الصبر، ويقص على المسلمين أخبار من سبقهم، من المؤمنين من الأمم السابقة، ليخفف عنهم.
إن مما يلفت الانتباه أيضاً، أن القرآن لم يتضمن قط الدعوة إلى قطع صلة الرحم، بين من أسلم ومن بقي على كفره، ولم يأذن بلعنهم، أو ترك البر والإحسان بهؤلاء الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم ويعذبون أتباعه.
لقد خطر ببالي تساؤل، أود أن أطرحه عليكم أيها الأعزاء، والحق أنني لم أرَ أحداً ذكره، ألا تلاحظون من هذا العرض الموجز، أن ثمة تشابهاً واضحاً بين دعوة السيد المسيح، ودعوة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في مكة، فكلاهما كان يدعو إلى التسامح والعفو.
ربما أذهب بعيداً إن قلت أن ظاهرة التسامح والعفو، كانت أكثر وضوحاً في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من دعوة المسيح، لأن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حصل بينه وبين خصومه عداوة ظاهرة، وطالب أتباعه منه مراراً بالسماح لهم بمقاتلة عدوهم ، لكنه أصر على التمسك بهذا الخلق وألزم به أتباعه، وكان يصر على وجوب التخلق بخلق الرحمة، رغم الاستفزازات الكثيرة، التي صدرت من أعدائه في مكة، ورغم ما تعرَّض له أتباعه من تعذيب.
إنها رسالة إلى أولئك الذين أساءوا فهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، حين توهموا أن دعوته نقيضة لدعوة المسيح، ولقد أعجبتني عبارة للكاتب الإنجليزي الكبير برناردشو، حين وقف على هذه الحقيقة، فقال: ( لقد درست محمداً باعتباره رجلاً مدهشاً فرأيته بعيداً عن مخاصمة المسيح)(1).
ويستمر الأمر على حالة، نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يواجه أعداءه بالعفو والرحمة، وهم يواجهونه ويواجهون أتباعه بالقسوة، التي كانت أشد مظاهرها، بعد مرور سبع سنوات على دعوته، حين قرر أعداؤه في مكة محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وكل من يقف معه، من أقاربه، في وادي يُعرف بشعب أبي طالب بغية عزلهم عن العالم الخارجي، ومقاطعتهم اقتصادياً، واجتماعياً .
لقد نجحوا في هذا واستمر العزل، والحصار، ثلاث سنوات، كانت جد قاسية، ومروعة، على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه (1)، والنبي لم يُغير ولم يبدل في سلوكه، حينئذ بدأت تظهر ثمار الرحمة، التي وضع بذرتها في تلك البيئة، ورعاها حق رعايتها، بأقواله، وأفعاله.
فقد تحركت الرحمة، في قلوب عدد من كبار المعارضين له، وقرروا إنهاء الحصار، وإلغاء العزلة.
خرج نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ومن معه منتصرين، حين تعاطف معهم كثير من الناس داخل مكة وخارجها، بسبب ما أصابهم، وشعر أعداؤه بالحرج والهزيمة، لأن قسوتهم هزمت أمام رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ومسالمته، فكانت نتائج هذه القسوة عكسية عليهم.
أيها الحضور الأعزاء ..
أشعر أني أطلت عليكم، في هذه المحاضرة، واسمحوا لي أن اختمها، بالقول، لقد أوجد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بيئة تنمو فيها الرحمة، لتصبح ثقافة تنتشر بين الناس، ونجح في جعل الرحمة وسيلة للحفاظ على أصحابه، واستخدمها سلاحاً انتصر فيه على أعدائه في مواطن عدة، كما رأيتم، وهو مسلك لم يكن معروفاً لدى الناس من قبل.
في هذه الأثناء وقف أحد الحاضرين، فشكرها على ما أسماه طول النفس عندها، وقال لها، اسمحي لي أن أطرح تساؤلاً ، فأذنت له مباشرة، فقال: لاشك أننا أمام شخصية عظيمة، تحسن صناعة الصبر ونشر الرحمة، في بيئة لا تريدها ولكن ما قولك لو أن أحداً ممن استمع إلى هذه المحاضرة قال إن الذي رأيناه من نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لم يكن رحمة ولا تسامحاً، ولكنه كان استسلاماً وتعاملاً مع واقع، لأنه لا يملك غير هذا التصرف، بسبب قلة أتباعه، وضعف إمكاناته.
فلم يكن أمامه إلاَّ أن يقابل الإساءة بالصبر، ويتجنب بشتى الوسائل الصدام مع خصومه في مكة، وهم الأكثر والأقوى.
اتجهت أنظار بعض الحضور إلى المتحدث، وكأنهم يؤيدونه فيما يقول، وينتظرون سماع رأي الدكتورة سارة التي استقبلت وجهة النظر هذه بصدر رحب، وقالت، للحاضرين، هل سمعتم ما قاله زميلكم، فقال بعضهم نعم سمعنا.
قالت: أعتقد أن محاضرة اليوم تضمنت بعض إجابات عن هذا التساؤل، لكن الوصول إلى الجواب يستدعي شيئاً من القراءة بين السطور، ويحتاج إلى تحليل للأحداث التي مرت بنا، والأحداث التي ستأتي، بعد أن تتبدل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، من الضعف إلى القوة، وبهذه المناسبة تذكرت الآن رأياً يتبناه كثير من العلماء المسلمين، مفاده أن النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقة الأمر لم يكن في يوم من الأيام ضعيفاً، ولا عاجزاً، أمام خصومه، والدليل على هذا أنه لو أراد لهلكوا جميعاً في ساعة واحدة.
فقد ذكرَ رواة الحديث حديثاً أجمعوا على صحته، جاء فيه أن الله تعالى أرسل ملكاً من السماء إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بعد أن اشتد تكذيب قومه له، وعرض عليه أن يهلكهم جميعاً، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم هذا بشدة(1) ، فلو كان تبدل الموقف منوطاً بالقوة، لتبدل موقف النبي صلى الله عليه وسلم حالاً بعد أن أمده الله تعالى بهذه القوة الخارقة.
لكن هذا لا ينفي ضعف المسلمين آنذاك فيما يظهر للناس، ولهذا أقترح أن نقسم هذه المهمة، فأنتم تبحثون فيما مرَّ بنا من أحداث، لعلها تحمل بعض إجابات عن هذا التساؤل المشروع،وأنا أتكفل باستحضار هذا الاستفسار في ضوء قراءات جديدة، في المحاضرات القادمة بغية الإجابة عنه.
سأفتح المجال في المحاضرة القادمة للاستماع إلى وجهة نظركم، شكراً لكم وإلى اللقاء.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

