تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

سوء الفهم، لماذا ؟(3)

العربيةقراءة ٧ دقائق

  المحاضرة الثالثة
سوء الفهم، لماذا ؟(3)

تُوفي أولاده، وبناته جميعاً في حياته، إلاَّ بنتاً واحدة، وهي فاطمة، فقد توفيت بعده بستة أشهر.
لما بلغ النبي محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين، أنزل الله تعالى عليه رسالة الإسلام، وبدأ يدعو الناس إليها، ومكث في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم انتقل إلى المدينة، وهي بلدة تبعد قرابة 500 كم عن مكة بعد أن آمن به أكثر أهلها وعُرفوا في التاريخ الإسلامي باسم الأنصار.
ظل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى دين الإسلام، ثلاثة وعشرين عاماً، وأقام دولة إسلامية في الجزيرة العربية.
وقد توفي بعد أن بلغ من العُمر ثلاثة وستين عاماً، ودفن في المدينة المنورة سنة 633 للميلاد.
لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياته كلها، بسيطاً في طعامه، وشرابه، ولباسه، كانت تمر عليه بعض الأيام، لا يجد ما يأكله، لا هو ولا أهل بيته، وكان متواضعاً، قريباً إلى الناس جميعاً، يحبهم ويحبونه(1).
كانت حال البشرية في هذا الوقت، غاية في السوء، بإجماع من كتب في تاريخ الأمم والشعوب، فقد اختفت معالم الفضائل، وبرزت صور متعددة للرذائل، التي لا يختلف عليها اثنان، على مر الأزمان، مثل قتل البنات، وزواج المحارم، فقد سطا القوي على الضعيف، وانتشر الظلم والعدوان، ونشبت الحروب، لأبسط الأسباب، ولم تسلم أي من البيئات في ذلك الوقت، من هذه الأحوال الشنيعة.

لما كان يتعذر علينا التفصيل، في كل مظاهر هذا الفساد، والانحطاط، نظراً لضيق الوقت، وحتى لا نشغل عن موضوعنا الأصيل، وفي الوقت نفسه، يصعب علينا تجاهله بالكلية، لأنه يعين كثيراً على فهم قضايا كثيرة، فإن فهم الحاضر يستدعي أحياناً استحضار الماضي، فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فأذنوا لي أن أُمثِّل بمظهر واحد، أحسبه كفيلاً بتقديم صورة واضحة لذلك الوضع، وهو حال المرأة آنذاك، وأبيح لنفسي أن أكون في هذا المقام منحازة لبنات جنسي، وسوف أعرض له بإيجاز شديد (2).
تعرضت المرأة في الجزيرة العربية ـ البيئة التي عاش فيها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ـ لأبشع أنواع الظلم، فقد كانت أحياناً، تدفن في التراب حية، وهي صغيرة.
وقد سجل القرآن الكريم هذه الفعلة الشنيعة بقوله: )وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ( )التكوير:8 ، 9(. وكانت تعد من متاع البيت، إذا مات زوجها ورثها أقاربه، كأنها قطعة من محتويات البيت.
ولم تكن المرأة أحسن حالاً في البيئات المجاورة لبيئة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، فقد كان المجتمع الروماني، غرب الجزيرة العربية، يسمح للزوج بأن يقتل زوجته، بما عرف عندهم بزواج السيادة(1)، وكان يبيح للأب أن يتخلى عن طفلته المولودة حديثاً، حتى لو تركها في الطريق حتى تموت، وليس هذا بمستغرب، فقد سادت في المجتمع الروماني، ثقافة القسوة والقتال، ولم يكن للرحمة فيه أدنى قيمة.

أما المجتمع الفارسي، شرق جزيرة العرب، فيكفي أن نعرف أنه ظهرت في هذا المجتمع مبادئ المزدكية، التي دعت إلى الإباحية،وأنه كان يجيز زواج المحارم، فيسمح مثلاً للأخ أن يتزوج أخته، وإذا ابتعدنا قليلاً، وذهبنا إلى بلاد الهند، فإننا سنجد أن المرأة تحرق وهي حية، بعد وفاة زوجها ، إذ لا معنى لبقائها بعده، وكانت الحضارة اليونانية، تحتقر المرأة، حتى قال أحد فلاسفتهم، يجب أن يحبس اسم المرأة في البيت، كما يحبس جسدها.
لا أود أن أسترسل في هذا الحديث، الذي لا يروق لنا جميعاً، ولكنها إشارات تؤكد خلو هذه المجتمعات من مظاهر الرحمة، ومعالم الإنسانية، وانتشار الظلم والقسوة.
ولقد لخص وليم موير الوضع آنذاك، بقوله: ( لم يكن الإصلاح أعسر ولا أبعد منالاً منه، وقت ظهور النبي محمد ، ولا نعلم نجاحاً وإصلاحاً تم كالذي تركه عند وفاته)(2).
إن كان ثمة بعض صور للرحمة، والتسامح، متناثرة هنا وهناك، وهي مما لا ننكره، فإنها تبقى تصرفات فردية، لا تكاد ترى، أو تؤثر في المجتمع، بإزاء صور الظلم، والتسلط، والعدوان، السائدة آنذاك على نطاق واسع.
بعث الله الرحمن الرحيم، في هذه البيئات، وإلى هؤلاء الناس، نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم رحمة بهم، وأنزل عليه ديناً هو الرحمة بعينها، وهو ما يشجعنا على القول إن البداية كانت من هنا، إنها رحلة الألف ميل، التي كانت هذه خطوتها الأولى، إنها رحلة البشرية إلى عالم الرحمة والتراحم، والحق أن هذا الكلام ليس كلاماً عاطفياً، ولا صادراً من فراغ، وإنما هو ثمرة بحث وتحليل، ويبقى المستمع هو الحكم، ولطالما وثقت به واحترمته.
لقد بدأ نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم منذ فجر دعوته، ينشر ثقافة الرحمة، بين الناس، على الرغم من أن البيئة الأولى التي عاش فيها ـ وهي مكة ـ ثلاث عشرة سنة يدعو فيها إلى الرحمة، كانت بيئة معادية له، بكل إمكاناتها، ليس للرحمة فيها مكان يذكر، إلاَّ مواقف محددة محاصرة أملتها على أصحابها القيم العربية التي لم تختف معالمها على الرغم من شيوع ثقافات منافية لهذه القيم التي صارت غريبة، ولم يكن معه أعوان، باستثناء أفراد مضطهدين يزيدون كل يوم، على الرغم مما كانوا يتعرضون له من ظلم، واضطهاد.
بدأت مظاهر رحمة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، بأتباعه وأعدائه على حد سواء، منذ اليوم الأول لدعوته، وهو ما استرعى انتباه الباحثين في سيرته، حين ألزم نفسه، وألزم أتباعه، بعدم الرد على إساءات أعدائهم، وكان ينفذ بهذا توجيهات ربه، حين قال له: )كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ( )النساء : 77 (، ووجهه في مقام آخر قائلاً له: )فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( )الزخرف: 89 (، وفي موضع ثالث أمر الله نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالعفو والصفح فقال: )فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ( )البقرة:109(.

لقد كانت الرحمة منذ الأيام الأولى، حاضرة ظاهرة، في هذا المنهج، ليستقر في أذهان الناس جميعاً، أن كلمة الفصل للمبادئ ، والصراع هو صراع معتقدات وحسب، والبقاء فيه للأصلح، دون مؤثر خارجي من قوة أو غيرها من المؤثرات، والنبي صلى الله عليه وسلم عازم على هذا المنهج، وهو يعلم أن خصومه لن يوافقوه عليه، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى خيراً ورحمة في هذا المنهج الذي يقوم على الصفح، والصبر، والتسامح، لأن من آمن بالنبي، ومن كفر به، أبناء مجتمع واحد، تجمعهم صلات القربى، والجوار، وربما يضمهم بيت واحد.
لقد كان من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعاً، أن نهى أتباعه عن القتال، والرد بالمثل، حتى لا يقتل الأخ أخاه، أو الصديق صديقه، أو الجار جاره، ما أمكن إلى ذلك سبيلاً.
لقد استمر هذا المنهج الفريد، والغريب، على هذه البيئة سنوات عديدة، فقد اعتاد الناس في هذه البيئات، أن يحلّوا مشاكلهم حتى اليسيرة بالقتال، وقد فكَّر أعداء نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في مكة بهذا الأمر، وقالوا له صراحة: (كأنك تريد أن يعظم بيننا الخلاف، حتى يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى)(1)، أي يقضي بعضنا على بعض، حتى لا يكاد يبقى منا أحد، لكنهم لم يعلموا أن النبي، يفكر بغير ما يفكرون به، ولديه منهج غير مألوف، سوف يشهره في وجوههم بدل السيوف.
قد أفصح النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المنهج حين طلب منه أتباعه، أن يدافعوا عن أنفسهم، بسبب ما يتعرضون له من أذى، فقد قالوا له، يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال لهم: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم(2).
وهاهم اليوم جميعاً رضي من رضي وكره من كره أمام منهج جديد، يواجه الخلافات ـ ولو من طرف واحد ـ ، بالدعوة إلى الرحمة، والتسامح، والعفو.
لقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا انتباه البشرية، قديماً وحديثاً ، إلى أن الرحمة كفيلة بأن تهيئ المناخ المناسب للحوار والتفاهم بين الناس، على الرغم مما بينهم من اختلاف في الآراء والأجناس.

فإن الكراهية تعمي، وصوت القوة يصمي، وعندها تسود شريعة الغاب.
لم يكن خلق الرحمة في نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم سلوكاً شخصياً وحسب، دونما التفات منه إلى المحيطين به، كما هو حال بعض العظماء، حين جعلوا من الأخلاق الحميدة، صفات شخصية، امتازوا بها عن أبناء مجتمعهم الذين استمروا على ما هم عليه مثل زهد بوذا مثلاً، حتى قد يتوهم أنها أخلاق نخبة لا صلة للعامة بها، وهم غير مطالبين بالتمثل بها.
فقد تخلق النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق، ثم أمر به الناس، وتعاهده بأقواله وأفعاله حتى أمكن القول بلا تردد إن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بهذا التصرف أوجد بيئة ينمو فيها خلق الرحمة، وتنتشر فيها بالتدريج ثقافة التراحم، بغية أن تصبح الرحمة خلقاً جماعياً، بعد أن كانت خلقاً فردياً ـ لدى قلة منهم ، ضعيفاً منزوياً، ألا يمكن القول إن سلوك نبي الرحمة يُعد رسالة إلى المصلحين والعقلاء داخل المجتمعات البشرية، في كل زمان ومكان ، تحمل في طياتها ضرورة أن يقوم هؤلاء بالدعوة إلى الفضائل التي يحملونها، وبذل غاية الجهد في سبيل إقناع الناس بها، وإن لا يقنعوا بالإيمان بها هم، ثم ترك الناس على ما هم عليه.

لقد اجتهد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أيما اجتهاد في ترسيخ هذا الخلق، على الرغم مما لاقى هو وأصحابه، في سبيل هذا من أذى، ومشقة، وتعسف، من قبل أعداء عتاة قساة في طبعهم، اعترضوا على شخصه، ولقد سجَّل القرآن الكريم اعتراضاتهم هذه، لتكشف عن قسوتهم وسوء طويتهم، حين ذكر مقولتهم: )وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ( )الزخرف: 31 (، واعترضوا على مبادئ دعوته، واعترضوا على أتباعه.
وضع أعداؤه في مكة، القاذورات على رأسه، وهو ساجد، حتى إنه لم يتمكن من رفعها، فجاءت ابنته فرفعتها، وتعرض للضرب في إحدى المرات، وبصق عليه أحدهم، وكانوا دائمي السخرية منه(1).
وسخر أعداء النبي و هؤلاء، أيضاً من المبادئ التي يدعو إليها، فقد كان يدعو إلى عبادة إله واحد، وقد ذكر القرآن الكريم اعتراضهم هذا حين قال: )أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ( )ص : 5 (.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع