تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

سوء الفهم، لماذا ؟(2)

العربيةقراءة ٦ دقائق

  المحاضرة الثالثة
سوء الفهم، لماذا ؟(2)

فأتباع المسيح لم يروا في المسيح إلاَّ تسامحه، وعفوه حتى قالوا إن عظمته كانت في خسارته(1)، أما أنا فأرفض أن يقال إن نبياً ما خسر أمام قومه، وكذلك أتباع بوذا، استقر في أذهانهم، أن مواصفاته، هي مواصفات القديس العظيم، والتي كان أبرزها الزهد وهجر الدنيا وملذاتها.
ظنَّ هؤلاء أن من سيأتي بعد المسيح سوف يكون لا محالة، على نقيضه، بخاصة أنه بدا من النبي محمد تصرفات تناقض الرحمة والتسامح في نظرهم، فتوهموا أنه سيكون متسلطاً، متعطشاً للانتقام، لا يعرف الرحمة، ولا التسامح، فوصف بعضهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف، دونما علم، أو روية، وكذا الحال بالنسبة لأتباع بوذا أو غيره.
أقول لكم بكل وضوح وصراحة، إذا كانت العظمة تعني رهبانية القسيس، وتسامحه مع خصومه، وعفوه عن أصحاب الأخطاء وتجاهله إصلاحهم، وإذا كانت العظمة تعني زهد بوذا، الذي هجر أهله، وبيته، وهام على وجهه في الغابات، وإذا كانت العظمة تعني تعذيب الراهب الهندوسي نفسه، بترك الطعام، والنوم لعدة أيام.

إذا كانت هذه هي مظاهر العظمة، فإن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ليس عظيماً بهذه المواصفات، لأنه حينئذ لن يكون مصلحاً، يأخذ بأيدي الناس إلى الفضائل، ويبعدهم عن الرذائل، وإنما سيكون عظيماً بعيداً عن واقعهم صالحاً في نفسه فقط، يكتفون بالإعجاب به، أو التعجب منه، فقط دون متابعته لصعوبة هذا، وهم لا شك معذورون، وبهذا يفقد المصلح دوره، وتنتفي وظيفته، وهذا ظاهر بيِّن في سيرة بوذا الذي اعتزل الحياة، ومات وحيداً، وفي سيرة زرادشت الذي اعتزل الناس في جبل حتى أدركته الوفاة (1).
إن هذا المسلك لا يسر النبي صلى الله عليه وسلم ، كما لا يسر أتباعه، لأن هذا سوف يرهقهم، ويجعل بين سلوك نبيهم وسلوكهم حاجزاً منيعاً، لقد كانت عظمة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في واقعيته، وبساطته، ولعله يتضح في ضوء هذا أن من أسباب أزمة غير المسلمين مع نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم غياب هذه المعاني، وفي سوء الموازين التي وزنوا بها مظاهر العظمة.
أما الأمر الثالث: وأختم به، فهو ذو صلة بموروثات وخلفيات قديمة، أدع د. أليكسي جورا فيسكيس ـ وهو من الشخصيات التي أحترمها ـ أدعه يبين هذا الأمر، من خلال وجهة نظره في هذا الموضوع، حيث يقول: ( إن أدب أوروبا في القرون الوسطى حول الإسلام وُضعَ في غالبيته العظمى من طرف رجال الدين المسيحيين، الذين استندوا إلى مصادر شديدة التمايز، والتباين، كالحكايات الشعبية، وقصص الأبطال، والحُُجاج والقديسين، والمؤلفات الجدلية ـ اللاهوتية الدفاعية للمسيحيين الشرقيين، وشهادات بعض المسلمين، وترجمات مفكريهم وعلمائهم).
كانت المعلومة المقدمة تنتزع في معظم الحالات من سياقها الأصلي، ثم تقدم إلى القارئ الأوروبي، وبهذا الشكل شوهت الوقائع بصورة متعمدة ـ واعية أحياناً، أو بشكل غير واعٍ في أحيان أخرى ـ في إطار البحث الحماسي عن حل سريع لـ ( مشكلة الإسلام ) التي سيطرت في القرون الوسطى على الموضوعات الدينيةـ الأيديولوجية )(1).

ويتفق مونتغمري واط مع هذا التحليل، فيقول تكونت في وعي الأوروبيين ( في القرون الوسطى) ملامح اللوحة التالية عن الإسلام: إنه عقيدة ابتدعها محمد، وهي تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنها دين الجبر، والانحلال الأخلاقي، والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة، وانسجاماً مع هذا الموقف المعادي.
أضاف قائلاً: فقد رُسم الإسلام على هيئة نموذج قبيح سيئ، يتعارض ويتناقض كلية مع النموذج المثالي للمسيحية بوصفها ديانة الحقيقة، التي تتميز بالأخلاق الصارمة وروح السلام، وبأنها عقيدة تنتشر بالإقناع وليس بقوة السلاح(1).
يمكن في ضوء هذا التحليل، أن نفهم بكل يسر ما قرره الأستاذ ساذرت وهو يتحدث عن التوجه العام، الذي ساد الساحة العلمية في الغرب، حين يقول: ( إن الشيء الوحيد الذين يجب أن لا نتوقع وجوده، في تلك العصور، هو الروح المتحررة الأكاديمية، أو البحث الإنساني، الذي تميز به الكثير من البحوث التي تناولت الإسلام في المائة سنة الأخيرة)(2).

هذه العوامل مجتمعة، أدت إلى سوء فهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، ولا شك هناك غيرها، وهي تتفاوت فيما بينها، من حيث قوتها وأثرها، وأحسب أن أكثرها وضوحاً، وأعمقها أثراً، هو الثالث منها، والذي أوضحه بجلاء، اثنان من كبار المستشرقين الذين درسوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
على أية حال، لا أود أن نشغل أنفسنا بهذه المسألة، ولولا أني سئلت عنها لما عرضت لها، لأن منهجي يقوم على بيان الحقيقة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ثم أضعها بين يدي من أبادلهم الحب والاحترام، وحسبي هذا وهو منبع سروري.
إن كنت أعترف بوجود صراع بين المعلومات، ناتج عن صراع الثقافات، وهو ما يسمونه بكل أسف صراع الحضارات، إلاَّ أني في الوقت نفسه، أعتقد جازمةً، أن البقاء للمعلومة الصحيحة، لأنها في داخلها تحمل عوامل قوتها وبقائها.

لقد ثبت لدي من خلال حوارات مع بعض الزملاء، أن المعلومة الصحيحة، تفرض نفسها، وتنتزع احترامها، بل وتمنح الاحترام في الأوساط العلمية، لمن يُعنى بها ويقدرها.
وإنْ حاول أحدٌ أن يزدري بمعلومة توارث الناس التسليم بصحتها، فإنه في الواقع يزدري بنفسه، وهذا واحد من أسباب عدة جعلت أساتذة كباراً يسلمون بصحة معلومات لا تروق لهم، لكنهم سمحوا لأنفسهم في التوسع بتفسيرها، كما يحلو لهم، وتحميلها في بعض الأحيان مالا تحتمل، وهذه مسألة أخرى على أية حال.
بدا على الدكتورة سارة وهي تستعد لاستكمال المحاضرة بعد استراحة قصيرة السرور وانشراح الصدر، وكذا الهمة والنشاط، وكأنها المحاضرة الأولى لها، ولقد صدق قولها، بعض هذا الشعور، حين قالت، يمكن أن تعد المحاضرات السابقة بمثابة مقدمات لما سيأتي، حيث إننا سنقصر حديثنا على خلق الرحمة، ومظاهره في سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
يحسن بنا أعزائي الحضور، أن نلقي بعض الضوء، على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قبل الشروع في هذه المحاضرات، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ينتهي نسبه إلى نبي الله إسماعيل عليه سلم، الذي نشأ في مكة، وإسماعيل هو ابن نبي الله إبراهيم عليه سلم.
ينتسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى أشهر وأشرف قبيلة عربية في عصره، وهي قبيلة بني هاشم من قريش، وأمه آمنة بنت وهب، من بني زهرة، وهي قبيلة عربية مشهورة.
وُلد النبي محمد صلى الله عليه وسلم سنة 570، لميلاد السيد المسيح، وهذا ما ورد في أغلب المصادر التاريخية الموثوقة، وإن كان بعض العلماء يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد سنة 571، فلا أعُد هذا خلافاً، إذ يبدو لي أنه ولد في أواخر سنة 570.
كانت ولادته في مكة المكرمة، وهي مدينة قديمة ، تقع في الجزيرة العربية، من قارة آسيا، وقد اطلعت على بحوث، ودراسات مستندة إلى صور للأقمار الصناعية، ومركبات الفضاء، تبين أن مكة هي مركز الدائرة ، بالنسبة إلى الأرض، ويمكن لكم الاطلاع على هذه الدراسات، للوقوف على هذه الحقيقة العجيبة.

تُوفي والده وأمه حامل به، فولد يتيماً، ولما ولدته أمه ، وكان ابنها الوحيد، قامت على رعايته، إلى أن توفيت، وكان عمره ست سنوات، ثم كفله بعدها جده عبد المطلب، ولما بلغ محمد صلى الله عليه وسلم الثامنة من عمره، تُوفي جده، فضمه عمه أبو طالب، إلى أولاده، وصار يرعاه كأنه واحد منهم.
لماَّ شارف محمد صلى الله عليه وسلم على سن الشباب، بدأ يعمل، ليعيل نفسه، فاشتغل في رعاية الغنم لأهل مكة، ثم عمل بعد ذلك في التجارة، وصار يسافر خارج الجزيرة العربية، وكان معروفاً بين قومه، منذ نعومة أظفاره، بالصادق الأمين.
كان يتاجر بأموال امرأة شريفة كريمة، من سيدات مجتمع قريش، وهي خديجة بنت خويلد، وقدَّر الله أن يتزوجها، وكان عمرها آنذاك، أربعين سنة، وعمر النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرون عاماً.
كان له أربع بنات، وولدان، كلهم من زوجته خديجة، وقد عاشت حتى بلغت خمسة وستين عاماً، ولم يكن عنده زوجة غيرها طوال حياتها.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع