بوادر انفراج وكرم من التاريخ(4)
المحاضرة الثانية
بوادر انفراج وكرم من التاريخ(4)
سلكت ثلاثة مسالك للبحث عن هذا الخلق والوصول إليه، وتحديده من بين الأخلاق الأخرى وهي:
الأول : النظر المتأمل في القرآن الكريم، وكنت أحسب أني سأجد فيه بغيتي، وما خاب ظني، فقد وصف الله تعالى نفسه في القرآن، بهذه الصفة في آيات كثيرة، واشتق الله من هذه الصفة اسمين له سبحانه، وردا في آيات منها (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الفاتحة: ٢، ومنها (إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) البقرة: ١٤٣، ومنها (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) الكهف: ٥٨.
حيث أثبت الله تعالى لنفسه، صفة الرحمة، وسمى نفسه بالرحمن الرحيم، تفضلاً على الناس ورحمة بهم، فأنزل إليهم ديناً وصفة الله بأنه رحمة بهم، في قوله تعالى: )أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ( )الزخرف: 32 (.
قال غير واحد، من مفسري القرآن، إن الرحمة هنا هي النبوة، والوحي، وكذا في قوله تعالى: )وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ( )القصص: 86 (.
لا بأس أن أذكر قول واحد من هؤلاء المفسرين لنطمئن إلى هذا الرأي، ونستأنس بقوله ، فقد قال المفسر العلامة الشنقيطي: ( والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي ، وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن )(1).
وصف القرآن الكريم، بعد ذلك النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، كقوله تعالى: )لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ( )التوبة: 128 (، بل إن الله جعل النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرحمة بعينها في قوله تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( )الأنبياء: 107(.
ليس يخفى عليكم، بعد هذا العرض، ما بين هذه الأوصاف من تناسب مبهر، فالله الرحيم، أنزل ديناً كله رحمة بخلقه، فكان من البدهي جداً، أن يحمل هذا الدين، شخص رحيم، فكان النبي محمداً صلى الله عليه وسلم.
لن ألوم أحداً، إذا نظر إلى بعض هذا الكلام، على أنه انطباعي عاطفي، فقد كنت قبل توافر هذه المعلومات التزم الحيادية، حين تطرح هذه القضايا، وكثيراً ما ألتزم الصمت، ما لم أضع بين يديَّ أدلة واضحة، تؤكد صحة ما أعتقد، وأرجو أن أوفق في هذه المهمة، ثم أترك لكل واحد منكم الحكم.
إن خلق الرحمة، هذا مناسب لتحقيق مراد الله تعالى، من إرسال الرسول بهذا الدين، فقد أرسله مفطوراً على الرحمة، فكان رحمة من الله بالأمة، في تنفيذ شريعته(2).
لقد لفت انتباهي، في هذا المقام، أن الله تعالى، لم يصف أحداً من أنبيائه بوصف الرحمة، إلاَّ النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد تحدث القرآن عن أربعة وعشرين نبياً، ووصفهم بأجمل الأوصاف، وأكملها، وعظَّم شأنهم، في كل موضع ذكروا فيه، إلاَّ أن أحداً منهم، لم يوصف بهذه الصفة، على كثرة صفاتهم الحميدة.
أراد الله تعالى لحكمة، أن يختص النبي محمداً صلى الله عليه وسلمبهذه الصفة ، دون أن يشاركه فيها أحد، مع أهمية التأكيد على أن أنبياء الله جميعاً، رحماء في تعاملهم مع أقوامهم، وفي حرصهم على إيمانهم، ولكن حديثي هنا عن الوصف بعينه.
المسلك الثاني: النظر في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي أقواله، وتوجيهاته، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع، في محاضرات قادمة، بيد أن ما أود قوله هنا، أن صفة الرحمة، كانت حاضرة في كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، من قول، أو فعل، فهو الخلق الملازم لكل خلق، بل هو المهيمن عليه، والموجه له، ولقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مستحضراً هذا الخلق، في كل حركاته، وسكناته، يؤكد هذا قوله عن نفسه: ( إنما أنا رحمة مهداه)(1)، ولا أشك لحظة أنه كان يستحضر على الدوام قول الله تعالى له )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( )الأنبياء: 107(.
المسلك الثالث: وقد يبدو ظريفاً، نوعاً ما، ومختلفاً عما سبقه من مسالك، فقد كلفت طلاب إحدى الشعب التي أُدرِّس لها مقرر فلسفة الأخلاق، أن ينظروا في صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويحدد كل واحد منهم الصفة التي يظن أنها أكثر ظهوراً من غيرها.
كم كان سروري عظيماً، حين اختار قرابة 60% منهم صفة الرحمة، أما أولئك الذين اختاروا خلقاً آخر غير خلق الرحمة، كخلق التواضع، أو الإحسان إلى الآخرين، أو العفو عند المقدرة، أو الشجاعة، أو صفاء النفس وطهرها، فإنهم لم يبتعدوا عن صفة الرحمة، لإن الصلة وثيقة بين الرحمة، وبين ما ذكروه، فهي إما دوافع كالشجاعة، فإن الرحمة الحقيقة التي تكون في موضعها، لا تتأتى إلاَّ ممن يتحلى بالشجاعة، وإما مظاهر للرحمة، كالإحسان إلى الآخرين، والتواضع لهم، والعفو عنهم.
يشهد لما ذكرت، تلك التعريفات التي أوردها العلماء لهذا الخلق، مع أني لست راغبة في التعرض لهذه التعريفات وتتبعها ـ في محاضرات كهذه ـ ومن ذلك قولهم: ( الرحمة حالة وجدانية، تعرض غالباً لمن به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني، الذي هو مبدأ الإحسان) (1) .
ولعل أوضحها، وأيسرها، قولهم: ( هي رقة يجدها المخلوق في قلبه، تحمله على العطف، والإحسان إلى سواه، ومواساته، وتخفيف آلآمه) (2)، وهي الرحمة التي يناسب أن يوصف بها المخلوق.
بيد أنه استرعى انتباهي ، تعريف وجدته عند ابن القيِّم ، جاء فيه: ( الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية. فأرحم الناس من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك)(3).
لقد أضاف ابن القيِّم بعداً جديداً لمفهوم الرحمة، كما ترون، وهو أنها تعني أن تمارس الرحمة على من تحب، وإن لم يرحب بهذا، كما يحصل مع الطبيب ومريضه، بخاصة أطباء الأسنان منهم، فكل واحد منا له قصة مع أطباء الأسنان.
قبل أن تنهي محاضرتها، وعلى غير عادتها في المحاضرات الماضية، سألت د. سارة الحاضرين، بعد أن شكرتهم على الحضور، وحسن الاستماع، قائلة، من لديه اقتراح، أو وجهة نظر معينة، قبل أن نمضي في محاضراتنا ، ولكن اسمحوا لي أن أقدم اقتراحاً قبلكم، وهو أننا من الآن فصاعداً، سوف نستعمل في حديثنا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقب نبي الرحمة، وأحسب إنكم موافقون، وسوف تزداد قناعتكم شيئاً فشيئاً.
وقف أحد الحاضرين، وقال لها، نقدر لك هذا العرض، ولقد حصل بيننا نقاش حول الأسباب الكامنة وراء سوء الفهم لسيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم من قبل غير المسلمين، بخاصة في البلاد الغربية عموماً، وكم نتمنى أن نسمع رأي محاضرتنا الرائعة في هذا الموضوع، ومما يشجعنا على هذا الطلب، أن واحداً ممن شارك معنا في النقاش حول هذا الموضوع، أبلغنا أنه سبق أن سمع منك شيئاً عن هذه المسألة، في مداخلة لك سابقة.
أبدت الدكتورة سارة ترحيبها، بهذا الاقتراح، وفهم الحاضرون من كلامها، أن لديها ما تقوله، في هذا الشأن، وقد أخبرت الحاضرين، أنها ستسعى جاهدة، للحديث عن هذا الموضوع، في بداية المحاضرة القادمة.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

