تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

بوادر انفراج وكرم من التاريخ(3)

العربيةقراءة ٥ دقائق

  المحاضرة الثانية
بوادر انفراج وكرم من التاريخ(3)

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأكثرهم حلماً، وكان أكرم الناس، وأكثرهم زهداً، وكان رحيماً، عادلاً، عفوَّاً، صادقاً، عفيفاً، أميناً، وكان مهيباً، وكثير التبسم، متواضعاً، وكان صلباً في الحق، وفي الوقت ذاته أشد حياءً من فتاة بريئة.
إن نظرة تأملية تحليلية لهذه الأخلاق، التي اجتمعت في شخصية النبي محمدصلى الله عليه وسلم تبين بجلاء، أن العظمة إنما تكون حين تجتمع الأخلاق كلها في شخص واحد، لأن القيم المجزأة، لا يمكنها أن تصنع عظيماً، ولا أن تسهم في سعادة البشرية.
ترجح لديَّ هذا الفهم أيضاً، حين استحضرت ما ذهب إليه بعض علماء الأخلاق، (من أن كل خلق يقوى بغيره من الأخلاق)(1).
عندما يتحقق هذا في شخصية ما ـ وقد تحقق في النبي محمد صلى الله عليه وسلم ـ يبرز من بين هذه الأخلاق، خلق يعرف به الشخص أكثر من غيره، وهذه حقيقة أقرها علم الأخلاق أيضاً، وفي هذا يقول العلامة دراز: ( إنه يجب أن تمارس النفس الإنسانية جميع القيم، قبل أن تتخصص في واحدة من بينها)(2)، دون أن يطغى هذا الخلق على غيره من الأخلاق الأخرى فيضعف أثره، ويقلل مكانته حتى تبقى كلها في أعلى درجاتها، وأكمل أوصافها.

توقفت الدكتورة سارة عن الحديث قليلاً، ثم قالت، كنت حريصةً، وما زلت، على أن تكون محاضراتي هذه أسهل طرحاً، وأيسر تناولاً، من تلك المحاضرات الأكاديمية في قاعة التدريس، ولكن يبدو أحياناً، أن الخيار لا يكون لنا، وإنما لطبيعة الموضوع، ولكن أعدكم أني سأكثر فيها من القصص الواقعية، والأحداث الثابتة الشيقة.
وإذا كان الأمر كذلك، وهو على ما يبدو كذلك في بعض المواطن على أقل تقدير، فإني سأجتهد في اختصار هذه المحاضرة، حتى لا ينُسي بعضها بعضاً، وأختمها بالحديث عن مسألة مهمة، لها صلة بموضوعنا، وإن كنت لن أطيل فيها، تلكم هي الدوافع الكامنة وراء التخلق بالأخلاق الحميدة.
لقد بحث علماء الأخلاق هذا الموضوع، وكان مجمل قولهم في هذه الدوافع، إنها المنفعة المادية، أو السعادة الشخصية، أو البيئة، أو الضمير، أو القوة(2).
لا أود أن أناقش، هذه الدوافع، من حيث قيمتها، وأثرها، وهل هي دوافع مضطردة، أو لا؟ بيد أني أحسب أن الدافع الكامن وراء تخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم بكل هذه الأخلاق التي سبق عرضها بإيجاز هو النبوة.
ذلك أن الله تعالى، يتصف بصفات الكمال، كالرحمة، والكرم، والرأفة، والعزة، والمغفرة. والنبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تخلقاً بأخلاق الله تعالى . فالخلق النبوي لا اعتبار فيه لأمر دنيوي، كمنفعة شخصية، أو تأثر ببيئة، أو تغير أحوال.

ولقد أدرك ر. ف . بودلي هذه الحقيقة، دون أن يذكر سببها، حين قال: ( أشك فيما إذا كان هناك رجل غير محمد تبدلت أحواله الخارجية، ذلك التبدل العظيم، ولم تتبدل نفسه)(1).
يسهل تفهم هذا الثبات، حين نستحضر أن هذه العظمة بكل مظاهرها، هي من فيض النبوة، فإننا وإن كنا نقر ونعترف، بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة إنساناً نبيلاً، ذا أخلاق كريمة، سامية، إلاَّ أن بروز عظمته، المتمثلة في اجتماع كل الأخلاق الفاضلة في شخصه بتوازن فريد من نوعه، كانت بسبب النبوة، كما أسلفنا.
لعل هذا الذي تقدم، يفسر لنا أيضاً، لمَ كانت أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم أخلاقاً باقية، دائمة على مر الدهور، حاضرة في كل زمان، صالحة لكل مكان، فهي لم تكن للعصر الذي نشأت فيه، ولم تختص بالفئات التي كانت تعنيها أول الأمر، ولم تكن وليدة بيئة النبي صلى الله عليه وسلم .

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يمارس هذه الأخلاق بأفعاله، أكثر من أقواله، وهو ما جعلها قريبة من الناس، مألوفة لديهم، ممكنة التطبيق.
أذنت الدكتورة باستراحة قصيرة، ثم واصلت بعدها الحديث ، قائلةً: وقد رأت وجوهاً جديدة في القاعة، لعلها لم تتنبه لها في بداية المحاضرة، أشكر الحضور الكرام على هذا التواصل، وعلى صبرهم كذلك، واسمحوا لي أن أخص بالترحيب وجوهاً جديدة، كأني أراها أول مرة، إن لم أكن مخطئة.
في الوقت الذي أرحب فيه بهم، أود أن الفت انتباههم، بأن محاضراتنا هذه، مثل سلسلة مترابطة، لهذا قد يتعذر على من حضر بعضها، أن يخرج بتصور متكامل، عن الموضوع الذي نعرض له، وعلى أية حال، فأحسب أنه يمكن تدارك هذا الأمر، بوسائل عدة.

صمتت الدكتورة قليلاً وابتسمت في وجوه الحاضرين، قائلة لا أخفي عليكم أني أفكر في أن أضع هذه الأوراق التي بين يدي بين أيديكم، أو على أقل تقديرـ تلك التي تتضمن نصوصاً، أو أرقاماً، فتحركت القاعة فرحاً بهذه البشرى، فاستدركت، قائلة، ولكن هذا لا يعني بحال ترك المتابعة، والتدوين، وهو أمر اختياري ولا شك، وهذا لا يخفى عليكم طبعاً.
أعزائي الحضور الكرام ..
تأملت كثيراً، الأخلاق التي عُرف بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعُرفت به أيضاً، فوجدتها كما ذكرت لكم كثيرة، فليس ثمة خلق حسن، إلاَّ وله فيه الحظ الأوفر، وربما سبب لي هذا الاستنتاج بعض مشقة، لأني أميل إلى تسليط الضوء على الخلق الذي تميز به النبي صلى الله عليه وسلم، من بين سائر الأخلاق، مع إقرارنا في محاضرة سابقة، بأنه تميز فيها كلها، ولكن أعني هنا، الخلق الذي كان أكثر ظهوراً من غيره.

وإن سأل سائل منكم، لمَ البحث عن خلق واحد، لينصب الحديث عليه، أقول له ولكم، إن منهجنا يقوم على تتبع المعلومات، وتوثيقها، وتحليلها، وهذا يستنفد كثير جهد، وطويل وقت، فيتعذر والحالة هذه، دراسة الصفات جميعها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إن هدف هذه المحاضرات، هو السعي إلى تحديد صفة معينة إن أمكن ، إذا ذكرت ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكر هو ذكرت هي أيضاً.
لقد كان لديَّ شعور ـ استناداً إلى ما عرضناه في المحاضرة الماضية ـ أني سأظفر بهذه الصفة، ويسرني، إبلاغكم بأنه تحقق لي ما أردت، كما بدا لي. فقد كانت هذه الصفة، هي صفة الرحمة،

هذه الصفة التي رأيت مظاهرها بارزة على البشرية قديماً وحديثاً ، فهو الخلق الذي امتاز به النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الخلق الذي كانت من آثاره أكثر الأخلاق الأخرى. وإليكم مزيداً من التفصيل، والتحليل، وآمل أن لا أثقل عليكم.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع