بوادر انفراج وكرم من التاريخ(2)
المحاضرة الثانية
بوادر انفراج وكرم من التاريخ(2)
وأنا لا أزعم أن لدي إلماماً واسعاً بهذين العلمين، ولكن المطلع على معالم هذين العلمين، يقف مذهولاً أمام هذه الدقة والحيادية التي تميز بها، واضعو هذين العلمين.
ويحسن التذكير في هذا المقام أن العرب وهي الأمة التي ينتمي إليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشهود لها بقوة الحفظ بين الأمم، وهذا على سبيل المثال المؤرخ الكبير جورجي زيدان، يشهد للعرب بقوة الحافظة، ويقول إنهم حفظوا إلى جانب أخبارهم، أخبار الأمم السابقة لهم، كأخبار قوم عاد، وقوم ثمود (2)، فكيف بأخبار نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أحبهم وأحبوه، حباً لا يعرف التاريخ له مثيلاً.
رابعها : أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وضع لأتباعه منهجاً علمياً، دقيقاً، في نقل المعلومات، فقد حذَّر من الكذب، بخاصة في نقل الأخبار عنه، فقال لأصحابه ( من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار)(1)، وهذا وعيد شديد، وتوجيه سديد، من النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه، لتوخي الدقة في نقل المعلومات، والاعتماد على ما ثبت منها، دون ما كان من باب الظنون التي حذَّر منها أيضاً . فقال ( إن الظن أكذب الحديث)(2).
بقيت أيها الأعزاء، حقيقة خامسة يكتمل بها عقد هذه المسوغات، تلكم هي طبيعة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الناظر في صفحات هذه السيرة، يرى فيها الواقعية، ماثلة للعيان، يسهل على أي إنسان تفهمها، وقبولها، والتخلق بها، إن شاء دونما شعور بحرج، أو معاكسة لفطرة، كما هو حاصل ومشاهد مع مئات الملايين من المسلمين أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
في حين أن هذا يتعذر على أتباع بوذا مثلاً، وهم يعدون بمئات الملايين، فإن من المعلومات القليلة التي وصلتنا عن بوذا، أنه كان أميراً يعيش في قصر، ولديه زوجة، وولد، فهجر قصره، وترك زوجته وحيدة، وترك ابنه كذلك، وهام على وجهه في الصحارى، والغابات، إلى أن مات زاهداً وحيداً (3).
هل تنتشر ثقافة الزهد هذه التي ارتضاها بوذا لنفسه، بين تلك الشعوب التي تؤمن به، وهم الصينيون، واليابانيون، والكوريون، لقد أقاموا دولاً صناعية عملاقة، مما يعني أن لا أحد منهم تقريباً يفكر في إحياء هذا المبدأ، أو حتى مجرد التفكير به، وهم على صواب ولا شك، لأنها مبادئ يؤدي اتباعها إلى تعطيل الحياة، والعودة بالبشرية إلى القرون البدائية.
لقد وقفت على عبارة نقلت عن بوذا، لا أود أن يسمعها مني أتباعه في هذه الدول الصناعية الكبرى دفعاً للإحراج، يقول فيها بوذا ( شريعتي نعمة للجميع، فهي كالسماء فيها مكان لكل الناس إلا أنه يعسر على الغني أن يسلك طريقها)(4).
كما اشتهر عن السيد المسيح، دعوته إلى التسامح، والعفو، والحلم، فقد نقل عنه، قوله وهو يعظ أتباعه ( سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن، وأما أنا، فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن، فحوِّل له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك، ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضاً، ومن سخَّرك ميلاً واحداً، فاذهب معه اثنين، ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.
سمعتم أنه قيل: تحب قريبك، وتبغض عدوك، وأما أنا، فأقول لكم: (أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم، ويطردونكم) (1).
ابتسمت الدكتورة سارة ابتسامة صفراء، كما يقال، ثم سألت الحاضرين، أي من الدول الغربية أو الشرقية، بلا استثناء ـ تلتفت إلى هذه التعاليم، أو تفكر في يوم من الأيام بالعمل بجزئية منها، ولو مرة واحدة في تاريخها الطويل، بخاصة مع خصومها، سؤال يوجه إلى التاريخ القديم والحديث ليجيب عنه ، أما نحن فنمضي في محاضرتنا.
أود أن أوضح بهذه المناسبة، أن تعاليم المسيح هذه، لا تعيبه، ولا ينبغي لأحد أن يوجه إليه نقداً بسببها، كلا وألف كلا، لأنها صدرت عن المسيح في ظروف خاصة، ولمعالجة أوضاع خاصة، فهي تعاليم تعد بنت بيئتها، وقد نجحت في حينها، من الحد من سطوة الظلم، والانتقام، وفي محاصرة الشر في بني إسرائيل، الذين بعث فيهم المسيح .
كما حاول المسيح، أن يوجد توازناً في المجتمع الروماني، الذي عاش فيه، إذ إن ثقافة هذا المجتمع كانت تعنى بالجسد فقط على حساب العاطفة، فقد كانت ثقافته حربية دموية، وهو ما دفع السيد المسيح إلى أن يسلك هذا المسلك، الذي كانت الأوضاع تدعو إليه بشدة، ولهذا لم يستوعب أتباع السيد المسيح هذه التعاليم، وتعذر عليهم العمل بها.
لقد قرأت كلاماً مفيداً، في هذا المقام، يحسن بي أن أتلوه على مسامعكم، وهو للعلامة محمد جميل بيهم، جاء فيه: ( لما تفاقمت الفوضى الأخلاقية، قبل ظهور المسيح، واستفحل أمرها من جراء الفساد، الذي شمل الشعب اليهودي والروماني على حد سواء).
جاء المسيح مُصلحاً اجتماعياً لا مشرعاً لأن اليهود والرومان لم يكن ينقصهم تشريع، ولهذا اقتصرت دعوته بالحث على الفضائل والتحذير من الرذائل، وحضهم على المحبة والسلام)(1).
أعجبني كلام يناسب هذا المقام أيضاً، ورد عن العلامة الأستاذ سليمان الندوي، حين قسَّم الفضائل قسمين، قسماً سلبياً، وقسماً إيجابياً (2).
فقال: إن اعتزال الناس خلق سلبي، لأن صاحبه لا يؤذي أحداً منهم، ولكنه لا يقدم لهم خيراً، كما أن العفو عن أخطاء الناس خلق سلبي كذلك، ولكنه لا يتضمن خيراً، كالنصح، ونصرة المظلوم، وهو ما يبدو في الأخلاق التي وردت عن كثير من المصلحين السابقين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وهي في الحقيقة،أخلاق تفتقد للشمول، والتوازن، وهما ميزتان ظاهرتان في أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما سأعرض له بعد استراحة قصيرة جداً.
لقد كانت د. سارة أكثر من رائعة، ألقت محاضرتها بكل ثقة، وثبات، وانشراح صدر، وكم كانت تبدو سعيدة، وهي تعرض هذه المعلومات.
وزاد من سرورها، شعورها بأن الحاضرين يبادلونها الشعور نفسه، وأكثر ما سرها، وأضحكها، قول أحد الحاضرين، وهو ممن لا يفوته شيء من المحاضرة كان يكفي يا دكتورة مسوغاً واحداً من هذه الخمسة التي سُقتيها، لبيان أهمية دراسة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن يبدو أنكِ حريصة على أن نتعب في الاستماع ونَطربْ في الاستمتاع ، على كل حال، أرجو أن تلتزمي بهذا المنهج، المرهق لنا والممتع على حد سواء ، وإلى اللقاء.
أجابته وهي تغادر القاعة لدقائق، سأعتبر أني لم اسمع كلمتي التعب والإرهاق، إلاَّ إذا كنت تقصد بهما معنى آخر.
بدأت الدكتورة سارة حديثها، بعد الاستراحة، قائلة:
بدت لي ظاهرةٌ ذكرت طرفاً منها قبل قليل، وهي تميز العظماء الذين تعرفنا عليهم بميزة واحدة لكل منهم، بها عُرف، ومن أجلها احترمه الناس، ومنها جاءت شهرته. فالمسيح كان متسامحاً، وبوذا كان زاهداً، والإسكندر المقدوني كان قوياً، وأرسطو كان فيلسوفاً، ولم يعرف أن أحداً منهم برز في صفة أخرى.
بيد أن ما يسترعي الانتباه بحق، هو اجتماع هذه الفضائل كلها في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيرها كذلك.
إن من ينظر في سيرة هذا النبي، ويقلب صفحات سيرته، لن يعجز عن الحصول على أدلة قاطعة، تؤكد هذه الحقيقة ، وقد توصلت إليها بعد قراءات كثيرة متنوعة، حرصت قبلها أن أكون خالية الذهن، في حدود الإمكان، انحيازاً مني للمعلومة الصحيحة.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

