تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

أزمة في القيم وبخل في التاريخ(4)

العربيةقراءة ٤ دقائق

  المحاضرة الأولى
أزمة في القيم وبخل في التاريخ(4)

لم يقتصر الأمر على هذا الصنيع الشنيع، فقد استمر الجدال أشهراً حول وجود المسيح عليه السلام، في مجلة ( روبن كورث)، التي تطبع في شيكاغو، ودار البحث عما إذا كان للمسيح وجود تاريخي، أم هو مما ابتدعته أوهام القدماء، من الأمم السالفة، واختلقته اختلاقاً (1).

زاد تقديري للدكتورة سارة ، وأعجبت بها كثيراً، حين سمعتها تقول بكل قوة وثبات، ليس من شك قط، أننا نرفض بشدة هذا التجذيف، ونستنكر هذا التطاول، على مقام السيد المسيح، فإن وجوده ثابت ثبوت الشمس في كبد السماء، فقد تحدثت عنه الكتب المقدسة، وتبوأ فيها منزلة رفيعة، هو وأمه الصديقة. لا يطرح مسألة وجود المسيح إلاَّ جاحد معاند، وعابثٌ لا وَزْن له، ولا اعتبار في الميدان العلمي، وهذه الآراء، وأمثالها، أقل شأناً، من أن نضيِّع فيها وقتنا، وهو قصير وثمين.
بيد أني ـ أردفت د. سارة قائلة ـ لا أنكر إنصافاً للحقيقة، أن ثمة علامات استفهام كثيرة، في سيرة السيد المسيح، وهذا ما دفع بودلي نفسه ليقول كما أسلفنا ( لا نعرف إلاَّ بعض شذرات عن حياة المسيح، بعد رسالته، ولا نعرف شيئاً عن الثلاثين سنة التي مهدت الطريق للسنوات الثلاث التي بلغ فيها أوجه)(1).
إن الناظر فيما كتب حول السيد المسيح ، يجد أن هذا الرأي لم ينفرد به بودلي، أو غيره، فإن هناك شبه إجماع عليه ( فقد استفرغ العلامة ريتان جهده، ولقي من العناء، والتعب، مبلغاً عظيماً، ليقف على حياة عيسى كاملة تامة، ومع ذلك فإن شؤون عيسى عليه السلام، وأحواله لا تزال سراً مكنوناً، في ضمير الزمن، لم يبح به لسانه بعد)(2).
لا بد من التوضيح، أن هذا الذي تقدم، لا ينال بحال من مقام السيد المسيح ، فإن السيد المسيح عاش في بيئة معادية له، سواء من اليهود الذي لبث فيهم فكفروا به ، أو من الدولة الرومانية الوثنية ذات السلطة والسطوة التي قست عليه كثيراً.
توقفت الدكتورة سارة عن الحديث قليلاً، وهي تقلب أوراقاً بين يديها، كأنها تبحث عن شيء فيها، ثم رفعت ورقة، وهي تقول أخشى أن يكون من سوء حظنا، أو ربما من سوء حظ هؤلاء العظماء، أنه تعذر علينا الإلمام بسيرهم، والوقوف على كثير من تفاصيلها، أو حتى التأكد من وجود بعضهم أصلاً.
هذه الورقة التي ترونها، مصورة من دائرة المعارف، وهي تعد عند عامة الباحثين، من أوثق المصادر في التاريخ، تتضمن هذه الصفحة كلاماً عن زرادشت، وزرادشت هذا تحدثت عنه دائرة المعارف، فكان مما قالته عنه ( يقال: إنه نبي المجوس، دعا إلى عبادة النار، والحكايات التي شاعت عنه كثيرة، وما عدا أنها بالغة في الغرابة، فهي متناقضة كمال التناقض.

لما شاخ اعتزل الناس في جبل البرزو، وبقي على عزلته حتى أدركته الوفاة )(1).
تحدثت عنه دائرة المعارف البريطانية أيضاً، فقالت: إن الأسطورة التي تشتمل على الحياة المستغربة لزرادشت، لا تدلنا على حياته دلالة واضحة، ولا تهدينا السبيل، إلى معرفته، معرفة تاريخية، بسبب ما نجد من غموض، لا ندرك معناه، وخُتم الكلام بالقول إننا لا نعلم زمن زرادشت البتة ونجهله جهلاً تاماً (2).
ختمت الدكتورة سارة محاضرتها، بالقول: لا أراني راغبة في الاسترسال بهذا الحديث، الذي ربما يبعث الأسى في النفوس، وهي تحاط بعشرات العلامات من الاستفهام، بشأن سير هؤلاء العظماء.

بودي أن اعتذر باسمي واسمكم جميعاً لهم، وأن أعاتب جهة ما، ولست بعالمة لمن العتاب، وفي النهاية لا يسعنا إلاَّ التسليم بهذه النتائج، والإقرار بتلك الحقائق.
لعل الزمن القادم يشهد فتح صفحات مطوية، ويكشف عن معلومات منسية، وإن كان التفاؤل في هذا الشأن قليلاً، إن لم يكن معدوماً، فقد مضى على وجودهم آلاف السنين، ولم نظفر إلاَّ بهذا النزر اليسير من المعلومات، فلو كان ثمة شيء لظهر.
ليس من شك في أن المعلومة الصحيحة ، والصحيحة فقط هي أساس البحث، فإن لم تتوافر بين أيدينا فإنه يتعذر علينا تقديم صورة واضحة المعالم لأية شخصية أياً كانت، ويصعب علينا أن نجعل منها مثلاً أعلى، وعلماً بها يُقتدى.
وقبل أن أغادركم، أقول لكم، وأنا أرى في وجوهكم الأسى، الذي أظن أن جزءاً منه لأجلي، وأنا شاكرة لكم هذا الشعور، أقول لكم تجمع بين يدي مقولات عديدة ، ومعلومات كثيرة متنوعة، عن واحد من عظماء البشرية، أحسب أننا سنجد فيه ضالتنا، ونحقق من خلال النظر في سيرته بغيتنا.
أضافت قائلة، ولكن هذا لا يعني بحال، المسارعة في إصدار الأحكام ، على الرغم من أني بت أطمئن لما توافر بين يديَّ من مادة علمية حول هذا الموضوع الذي يستدعي مزيداً من البحث وتتبع التفاصيل، والاجتهاد في التحليل، وأذكركم بأن الصبر جميل.
أشكر لكم حسن الاستماع، والصبر على هذه النصوص، حتى المحاضرة التالية، لكم مني خالص التحية.

ترقب المتابعون ما وعدت به د. سارة من جديد، وما ينتظر منها من تفصيل وتحليل، وافق أن استضافت الجامعة أستاذاً زائراً، ونظراً لضيق وقته، تنازلت له د. سارة عن موعد محاضرتها، تكريماً منها لهذا الأستاذ الزائر، وإن كان يرى بعض خواصها، أنها فرحت بما حدث، لتكسب مزيداً من الوقت، وقد كان لها ما أرادت.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع