أزمة في القيم وبخل في التاريخ(3)
المحاضرة الأولى
أزمة في القيم وبخل في التاريخ(3)
إن وسائل الإعلام، لا تكاد تحمل لنا إلاَّ تزايد أعداد القتلى، والمشردين، وارتفاع نسب البطالة، واتساع دوائر النزاع، وانتشار الأمراض القاتلة، وازدياد أعداد الفقراء، وتنوع صور الاعتداءات على الإنسانية بكل فئاتها، وعلى البيئة بكل ميادينها، وهو ما يهدد أصل وجود البشرية برمتها.
في ظروف كهذه، غاية في الخطورة، تدعو الحاجة، والضرورة، إلى استحضار سير بعض عظماء البشرية، لتعريف الناس بهم، واطلاعهم على سيرهم الشخصية، ونشر تعاليمهم بين الناس، وهذا في اعتقادي، سوف يسهم في الترويج للأخلاق الفاضلة، وفي التنفير من الأخلاق السيئة.
هذا المسلك، يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، نحو محاصرة الشر وأهله، ومطاردة صنَّاع المشاكل، العابثين بمصير البشرية وبأمنها، وبمقدراتها، وهي لا تعدو أن تكون خطوة في رحلة الألف ميل، ولكن لها أهميتها، لأنها في الاتجاه الصحيح .
نحن نتفق مع الرأي القائل، إن العظماء قليلون، مهما كثروا، وهذا يعين على تتبع سيرهم لأنهم ندرة ونخبة، ومن كانت هذه حالهم فينبغي أن يكونوا محل عناية، بخاصة في وقت تحتاج فيه البشرية إلى تراثهم الأخلاقي، وتجاربهم التي نجحت في ميادين متعددة .
إذا أضيف إلى هذا، ما ذكر سابقاً من أن الناس بطبعهم أخيار يميلون إلى الفضائل، ويحبون رموزها الذين تميزوا بها، ترجح لدى الباحثين أن في هذه الدراسات خيراً كثيراً للبشرية.
يتضح الأثر الطيب لها في صورة جليَّة، حين يُقدم لهذه البشرية المرهقة نماذج حيَّة لأشخاص مارسوا الأخلاق، وجعلوا منها ومن الفضائل واقعاً معاشاً، وسلوكاً ممكناً، في دنيا الواقع، والبشرية بلا ريب بحاجة إلى مثل هذا التوجيه، بعدما أصاب كثيراً من جوانب حياتها التشويه.
نحن لا ننكر أن سيرة العظماء في تاريخ البشرية، لحقها بعض إساءات، مقصودة كانت أو غير مقصودة، لأسباب منها الجهل بها أحياناً، وربما التجاهل لها حيناً لأغراض لا يتسع المقام لسردها، أعتقد أن هربرت أ. شيللر أتى على بعض منها في كتابه المتلاعبون بالعقول، وإن لم يكن بطريقة مباشرة.
لقد أحسن الأستاذ العقاد حين شخَّص الداء ووصف الدواء بقوله: ( إن البشرية بقدر اجترائها على هؤلاء العظماء، بقدر حاجتها إليهم)(1).
على عادتها في محاضراتها، بادرت د. سارة إلى الحديث عن بعض معالم المنهج الذي سوف تسلكه في دراساتها، وإن استدركت قائلة، كان ينبغي أن يكون هذا الكلام، في بداية المحاضرة لكن لا بأس بهذا، فما زلنا في بداية الطريق.
قالت د. سارة، لقد جمعت الكتب التي تتحدث عن سير هؤلاء العظماء، بخاصة كتب التاريخ، لأنني أتفق مع د. توماس كارليل صاحب كتاب الأبطال حين قال: ( إن التاريخ سجل لسير أعمال العظماء)، وقد سعيت جاهدة لانتزاع الحقائق من هذا التاريخ ولا شيء غير الحقائق، لأضعها بين يدي القراء الكرام، ولهم بعدها أن يسلكوا مسلك المفكر العالمي د. نعوم تشومسكي، ويأخذوا بنصيحته إن شاءوا، حين قال بعد أن جمع كثيراً من الحقائق المفزعة: ( لقد انتزعت هذه الحقائق من التاريخ، وعلى المرء أن يصرخ بها ويعلنها على رؤوس الأشهاد)(1).
إذا كان د. نعوم قد قلَّب صفحات التاريخ المعاصر، فوجد فيها حقائق مفزعة رهيبة، فها نحن نقلِّب صفحات التاريخ الماضي البعيد، بحثاً عن صفحات بيضاء مضيئة، وأحسب أننا واجدون فيها الكثير مما نؤمل.
فإن من رحمة الله تعالى بخلقه أن يقيم لهم معالم خير، ومنارات هداية، من خلال رموز بشرية نقية، إمَّا بأشخاصهم وقت وجودهم، وإما بما تركوا لنا من سير عطرة، وتراث جميل في رحلتهم الطويلة، بغية أن يذكِّروا الناس إذا نسوا، ويعينوهم إذا ذكروا.
كان مما قالته في هذه المحاضرة، لقد قرأت الكثير حول سير العظماء، ودونت أكثره حسب تقدمهم الزمني، لأن فضل السبق معتبر، فإن اللاحق غالباً ما يفيد من السابق، بخاصة في مجال علم الأخلاق، فالبشرية لا تكاد تختلف في شيء منها، وهي مما يتوارث بين أجيالها ، وأفرادها.
بعد استراحة لا تتجاوز دقائق معدودة، واصلت د. سارة حديثها بالقول :
منذ أسابيع، وأنا أبحث في المكتبات، وقنوات المعلومات الأخرى، في سيرة بوذا، باعتباره قديساً مشهوراً متقدماً في الزمن، معظماً لدى مئات الملايين من البشر في آسيا بخاصة، وقد عرفنا عنه زهده في الحياة، وصفاء نفسه.
يؤسفني القول إنه في ضوء المنهج الذي رسمته لنفسي في هذه المحاضرات ـ أنني عجزت عن جمع المعلومات الكافية، التي تمكنني من تقديم صورة واضحة المعالم لبوذا، ولتعاليمه على كثرة مطالعاتي وقراءاتي.
وحتى لا أتهم من أحد بالتكاسل، أو التحامل، فإني أود أن أذكر لكم أنه يشاركني الرأي في هذه النتيجة المؤسفة، علماء كبار، أو بتعبير أدق، أنا أشاركهم الرأي، لأنهم أسبق مني في بحث هذه المسألة.
هذا العلامة الأستاذ سلمان الندوي، كبير علماء الهند، في القرن الماضي، يعترف بعد بحث طويل، في سيرة بوذا، بالعجز عن الحصول على معلومات عنه، فيقول متسائلاً: ( هل يقيم التاريخ وزناً لوجود بوذا ؟ وهل يقدر مؤلف على أن يعرض للناس صورة حقيقية لتاريخه؟ وهل يستطيع كاتب، أن يصف ظروفه، وأحواله التي كان عليها في حياته، وصفاً كاملاً، لا يغادر شيئاً من تحديد زمن ميلاده، ووطنه، وأصول دينه، كما دعا هو إليه، ومبادئ دعوته، وأهدافها؟
الذي نعلمه، أن ذلك كله محجوب عن علم الناس، بظلمات كثيفة متراكمة)(1).
ونراه في موضع آخر، يبدي أسفه، واستغرابه، لندرة المعلومات عن بوذا، فيقول: ( أليس من المستغرب أن بوذا الذي يبلغ عدد المنتسبين إليه، ربع سكان المعمورة، لا يحفظ التاريخ من سيرته إلاَّ عدةَ أقاصيص، وحكايات، لو أننا نقدناها، بمقاييس التاريخ، لنتخذ لأنفسنا قدوة من حياته، وسيرته، لخرجنا من ذلك خاسرين)(2). والسبب في هذا ، وقفت عليه دائرة المعارف ، حين ذكرت، أن تاريخ بوذا أكثره من قبيل الحكايات(3) .
إذا كانت النتيجة، التي توصلتُ إليها، وآخرون قبلي، حول حياة بوذا، لا تخلو من جرأة في نظر البعض، فإن الجرأة الأكثر، والمفاجأة الأكبر، جاءت من قبل الأستاذ ر.ف بودلي، المؤرخ الإنجليزي المشهور ، الذي عمم هذا الحكم، ليشمل مع بوذا غيره من العظماء، وفي هذا يقول بودلي ما نصه: ( إننا لا نجد ما دوَّنه معاصرو موسى، أو كونفوشيوس، أو بوذا، ولا نعرف إلاَّ بعض شذرات عن حياة المسيح، بعد رسالته)(4).
أنا لا أنكر أن رأي بودلي في حياة المسيح، وإن كان يبعث على الاستهجان، لدى كثيرين، إلاَّ أنه في الواقع له حظ من الصحة، وهو على أية حال، يبقى رأياً أقل غرابة، بإزاء الرأي الذي طرحه بعض علماء الأديان في أمريكا، والذي يتضمن جرأة قبيحة، حين أنكر هؤلاء أصل وجود المسيح عليه السلام، فاعتبروا أن كل ما ذُكر حوله هو من الأساطير، وأن ما ذُكر عنه إنما هو بقية من بقايا وثنية الروم، واليونان.
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

