تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

أزمة في القيم وبخل في التاريخ(1)

العربيةقراءة ٤ دقائق

  المحاضرة الأولى
أزمة في القيم وبخل في التاريخ(1)

الذين يعرفون الدكتورة سارة آدم أستاذ علم الاجتماع ـ التي تحاضر في جامعات عدة، ومنتديات علمية عن فلسفة الأخلاق ـ بخاصة أولئك الذين يواظبون على حضور محاضراتها ـ الأكاديمية ـ أو الثقافية ـ لا يكادون يختلفون في أنها شغوفة بالمعلومة وبالبحث عنها، فهي ترفض تقسيمها إلى معلومة مهمة، أو غير مهمة، أو إلى صغيرة وكبيرة.

قالت غير مرة، إن الإنجاز الكبير، هو عبارة عن مجموعة إنجازات صغيرة، ربما لا يتنبه إليها، فالحقيقة الكبرى هي عبارة عن مجموعة حقائق صغيرة كما يعرفون عنها، أنها تعنى بالقراءة بين السطور.
الذي يسترق السمع إلى ما يدور بين طلابها والمتابعين لمحاضراتها، يرى أنهم بقدر إعجابهم بطروحاتها، وبمنهجها، وتشوقهم إلى جديدها، بقدر شعورهم بالإرهاق أحياناً، وربما الملل حين تشرع بسرد التفاصيل، وتتبعها بالتحليل، ولا يخفى بعضهم في الوقت نفسه، أنها حظيت بإعجاب الكثيرين بسبب منهجها هذا.

وكأني ببعضهم يود أن يتساءل على استحياء هل حقاً ما قيل إن الشياطين تكمن في التفاصيل، لولا خشيته من نظرة عتاب، أو كلمة لوم، ربما يتبعها حساب من الدكتورة سارة ذلك أنها ترفض فلسفة هذه المقولة، بخاصة في المحافل العلمية، وقاعة الدرس.
ترى أنها بضاعة أهل السياسة، الذين تتعرض لبعضهم أحياناً، وتُعرِّض بطائفة منهم لسبب ظاهر عندها، هو جنايتهم على الحقيقة، بعموميات يطرحونها، وعبارات يرددونها، يخفون في طياتها ما لا يسر، وتلحق بهم أولئك الذين يُزوِّرون الحقائق، ولا يحترمون عقول البشر في حالات متعددة ومنهم بعض الصحفيين.
لقد شهد لها غير واحد بأنها لا تملك مواقف مسبقة، أو محدده، من فئة معينة، وإنما الذي يُعرف عنها، هو انحيازها إلى المعلومة، من حيث هي، واحترامها الشديد إلى أولئك الذين يستمعون إليها، أو يقرأوون لها، لأنها تشعر أنهم يتفضلون عليها.

اعترفت الدكتورة سارة آدم، في بعض جلساتها الخاصة، أن منهجها هذا، الذي تحرص عليه، منذ سنوات، قد جلب لها بعض المتاعب، منها نقد بعض زملائها لها، بحجة أنها تغري طلابها أحياناً، بتوسيع دائرة النقد، وعدم القبول بالمعلومة، إلاَّ بعد المحاورة، وطرح العديد من الأسئلة.
بينما ترى هي أن المحاضر والكاتب، أياً كان، لن يتسنى له أن يحوز على احترام الجمهور، وانتزاع ثـقتهم به، مالم يبادر هو باحترام قدراتهم، وتقدير عقولهم، واعتبار جمهوره الخاص شريكاً له في الوصول إلى الحقيقة.
لقد غرست في أذهان طلابها، أن المعلومة الصحيحة، علامة فارقة بين من يملكها، وبين من لا يملكها، وكانت دائماً تقول لهم، جاء في القرآن الكريم ) قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( )الزمر: 9 ( ، ثم تصمت قليلاً، فيقولون طبعاً لا.

وكانت ترى كذلك، أن الأعمال الفاضلة متعددة، وأن من أفضلها، الوصول إلى الحقيقة، وتذكر في هذا المقام، عبارة وردت في الإنجيل، كانت ترددها كثيراً تقول ( وأساس البر البحث عن الحقيقة, والوصول إليها).
اختلفت في بعض المناسبات العلمية، مع بعض زملائها فهي ترى أن القارئ، أو المستمع، شريك في الوصول إلى الحقيقة، في حين يرى بعضهم، أن كثيراً من هؤلاء، لا يملك مؤهلات تمنح له هذا الحق، وكانت تقول دائماً، بعد هذا الحديث، أياً كان الأمر، فإنه لا يعني عدم احترام القارئ، أو المستمع، من خلال تجاهل المعلومة الصحيحة، وعدم الاعتراف بالحقيقة، وإن كانت مرة.
اضطرت الدكتورة سارة في بعض المواقف، إلى القول بأن د. هربرت أ. شيللر، حين وضع كتابه المتلاعبون بالعقول، ربما أغضب بعض الكتَّاب والباحثين، حين قال، إن ثمة نخبة تسعى إلى تضليل عقول الجماهير، بغية تطويعهم إلى أغراض خاصة (1) وتضيف هي، أو أغراض عامة لحساب جهات معينة، وهو ما يزيد الأمر قبحاً.

لم تخف الدكتورة سارة على طلابها، والمقربين منها، انزعاجها الشديد، حين ترى تشابهاً بين العمل الصحفي، وطرفاً من العمل الأكاديمي أحياناً، من حيث المنهج، أو الأهداف، فهي لم تفاجأ كثيراً حين قرأت كلاماً للإعلامي المشهور هنري لويس، مؤسس صحيفة التايم، وغيرها من الجرائد، والمجلات واسعة الانتشار، عندما يقول: (إن الموضوعية الصحفية شيء زائف تماماً، وبالتالي عندما نقول فلتذهب الموضوعية إلى الجحيم، فإننا نقصد بذلك هذا المعنى) (1) .
لم تفاجأ بهذا الكلام لأن الواقع يشهد له، في مواطن كثيرة، لكنها تفاجأ عندما ترى الوصف نفسه في بعض الأعمال الأكاديمية بل وتحزن كثيراً.
ذكر أحد المتابعين لنشاطها العلمي، أنها قالت في مداخلة لها على هامش ندوة علمية، إنني أعجب أشد العجب، من أولئك النفر من الناس الذين يغضبون أشد الغضب، حين تُسرق منهم بعض ممتلكاتهم الخاصة، ولا نلحظ فيهم ثورة الغضب هذه، حين يُسرق من بعضهم عقله، وحريته، في التفكير، ويصادر رأيه، فيصبح أسيراً لشخص ما، أو جهة ما، بل إنه لمن المؤسف أن نرى فئة من الناس تستسلم لهذا الأمر، وهي ضاحكة مستبشرة.
واجهت الدكتورة سارة بعض المتاعب الخفية بسبب منهجها ، وبعض مقولاتها، لكنها في المقابل حظيت بشهرة علمية، تكاد تكون محل اتفاق، وكسبت احترام كل من عرفها، عن قرب، حتى بعض أولئك الذين سببت لهم انزعاجاً، أو إحراجاً.

تحاضر الدكتورة سارة في موضوعات علم الاجتماع، وتعنى بعلم الأخلاق كما ذكرت، تحدثت في آخر محاضرة لها، بعنوان: دوافع الأخلاق الفردية، في ندوة حول حقوق الإنسان، في ظل الصراعات الدولية، عما أسمته أزمة القيم، الذي تمر بها البشرية اليوم، واعترفت أنها استعارت هذا المصطلح ، من مقالة للمفكر د. رجاء جارودي، حين قال:( إن البشرية اليوم تعاني من أزمة قيم، فقدت معها أخلاقها (1)، أو كادت).



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع