الرحمة الشاملة
كان محمّد صلى الله عليه وسلم رحمة من الله للعالمين على اختلاف أديانهم وأعراقهم بل إن في تعاليمه ما يؤكد على الرحمة للطيور والحيوانات وعلى تحريم الإضرار بها دون حق والاعتداء عليها .
اتسعت رحمة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لتشمل مع بني الإنسان: الطّير والحيوان ، حيث أمر بالرّفق بها، وتوّعد من عذّبها أو أساء إليها حتى تموت بالعذاب والنار في الآخرة.
فقد نهى صلى الله عليه وسلم أن تجعل الطّيور وغيرها من ذوات الروح هدفاً للرّمي بالسّهام وغيرها من الأسلحة ؛ فقال صلى الله عليه وسلم : « لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضًا»، رواه مسلم. أي: لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه.
وقال صلى الله عليه وسلم : « دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض » رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم : « بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به» . رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم : « بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي! فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب؛ فشكر الله له فغفر له » . قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ قال : « في كل كبد رطبة أجر». رواه البخاري.
ونهى صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم . قال العلماء : صبر البهائم: أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه.
ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة ». رواه أبو داود.
احترام جميع الأنبياء واحترامهم
قدّم محمّد صلى الله عليه وسلم صورة مشرقة من صور الاحترام والتقدير لجميع الأنبياء الذين سبقوه ومنهم إبراهيم وموسى وعيسى ( عليهم الصلاة والسلام) ، بل أوحى الله إليه نصاً على أن من كذَّب أحداً منهم أو انتقصه فإنه ليس بمسلم فالأنبياء جميعاً إخوة يشتركون في دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له .
إنّ حديث النبي محمّد صلى الله عليه وسلم المحبّب عن إخوانه الأنبياء والمرسلين، كوصف أحدهم بـ « العبد الصالح »، أو بـ « أخي» ، وبتوجيه أمّته إلى تعظيمهم وتوقيرهم، وبنهيه لهم عن تفضيله على أحد منهم؛ وقبل هذا كله : ما نجده من حديث مستفيض في القرآن الذي أوحاه الله إليه عن الأنبياء والرّسل، والثناء عليهم ، وأمر النبي محمّد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم يؤكد على معنى عظيم هو أخوة الأنبياء وعظم تقدير اللاحق للسابق واحترامه والثناء عليه، بل لقد جعل الله تعالى قصص الأنبياء السابقين البلسم الحاني لما كان يعانيه النبي محمّد صلى الله عليه وسلم في دعوته من أذى ونصب.
وهذه بعض النصوص التي جاءت مقررة للمعاني التي تقدمت :
قال الله تعالى { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }(الأنعام: 90).
وقال :{ آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }(البقرة: 285).
وقد سُمّيت سورةٌ بكاملها باسم « الأنبياء» ، وبعد أن ذكر جملة طيبة منهم، وذكر ما امتازوا به من خصال وصفات عظيمة ختم قصصهم بقوله تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }(الأنبياء: 90).
وقال صلى الله عليه وسلم : «أنا أوْلى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء أخوة لعلّات: أمهاتهم شتى ودينهم واحد » . رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم :«...فأقول كما قال العبد الصالح(أي: عيسى عليه السلام) " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (المائدة: 118) ". رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم : «... فذكرت قول أخي سليمان { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } (ص: 35)... ».رواه البخاري.
فهذا الموقف الإيجابي من أنبياء الله ورسله في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، بل إن النبي محمّداً صلى الله عليه وسلم قد أرشد المسلمين جميعاً من خلال وحي الله إليه أن من كذّب بأحد من أنبياء الله السابقين فإنه ليس بمسلم، وهذا هو النص القرآني الوارد في ذلك{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا }( النساء: 150)
وفي المقابل نجد في وصفاً قبيحاً للذين قتلوا الأنبياء وطعنوا فيهم من اليهود، فسجّل القرآن العظيم موقفهم ذاك بقوله : { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} (المائدة: 70).
وقوله { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } [آل عمران :112].
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

