تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

النصوص الواردة في رحمته صلى الله عليه وسلم(2)

العربيةقراءة ٨ دقائق

  صالح التويجري

ثانياً: من السنة النبوية:
حرصت على أن أصدِّر كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأن حقَّه التقديم، وليرتبط القارئ بالنص مباشرة، ثم يأتي التعليق واستخراج بعض الخواطر والآثار التي تحتاج إلى إظهار لمناسبة المبحث.
      عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \\\" يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة \\\" ([20]).

مظهر الرحمة:
لقد حصر نفسه صلى الله عليه وسلم بالرحمة، وهذا يدل على أن أمره كله مشتمل على الرحمة بشخصه وفعله. وهذا مصدر شدّة حب أتباعه له، وتعلق الأنفس به وفداه.
  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: \\\" قيل: يا رسول الله ادع الله على المشركين. فقال: إني لم أُبْعَث لعَّاناً ولكن بُعثتُ رحمةً  \\\" ([21]).

مظهر الرحمة:
انتصر صلى الله عليه وسلم على نفسه وأسقط حقَّها وآثر العفوَ والصفحَ والتجاوزَ، وهذا خلق المشفق على الأمة، ومظهر من مظاهر رحمته، وهكذا الداعية يجعل خلقَه سُلَّماً يصعد عليه المخالفون إلى الحقيقة..
قال المناوي: \\\" لأنه حُشِي بالرحمة والرأفة فاستنار قلبه بنور الله، فرقَّت الدنيا في عينه، فبذل نفسه في جنب الله، فكان رحمة ومفزعاً ومأمناً وغياثاً وأماناً فالعذاب لم يُقصد من بَعْثِه \\\" ([22]).
  وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: \\\" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء.
فقال: \\\" أنا محمد، وأحمد، والمقفّي، والحاشر، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة \\\" ([23]).
قال ابن القيم: \\\" إنما بَعث (يعني اللهَ تعالى) رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبيُّ الرحمة، وأمته الأمة المرحومة، وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأفعاله الحميدة فلا يخبر عنه إلا بحمده، ولا يثني عليه إلا بأحسن الثناء، كما لا يُسمَّى إلا بأحسن الأسماء \\\" ([24]).
      وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: \\\"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق \\\" ([25]).

مظهر الرحمة:
وهذا اعتراف بما لدى الناس من أخلاق. لقد اعترف صلى الله عليه وسلم بأصول هذه الأخلاق، وجعل دوره إتمامها: إما بأن يكون فعلها خالصاً لله فلا تضيع الجهود والأتعاب سدى، وإما بأن يضيف إليها ما يقتضي الاعتدال، فإن الكرم إذا زاد تحوَّل إسرافاً، والتواضع إذا زاد تحوَّل ضَعَةً وهكذا، فجاء بالميزان الشرعي الذي يحقق قيمةَ الخلُقِ وإنصافَ النفسِ من الذوبان في ظلِّ غياب معيار القِيمِ.
وفي حديث أول ما بدأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل لما قال النبي صلى الله عليه وسلم:\\\" لقد خشيت على نفسي\\\" قالت خديجة رضي الله عنها:\\\" كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق\\\" ([26]).

مظهر الرحمة:
هذه مجموعة من الصفات والمظاهر لرحمته صلى الله عليه وسلم، كلها تتضمن الرحمة بالآخرين، فمقتضى هذه الرحمة قام بهذه الحقوق، فالرحم: فيها المرأة والصغير. وكسب المعدوم الذي لا يجد شيئاً فانقطع به الحال إلى العدم، والضيف غريب ضاقت عليه مسالكُ البلد، ونوائب الحق: ما يحدث للناس من نائبات الدَّهر، وملمَّات الزمان، ونوازل وكوارث، يظهر أمام هذا كلِّه دورُه صلى الله عليه وسلم، فقد ضرب من كلِّ غنيمةٍ بسهم.ب
 وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال: إن أبا هريرة كان حريصا ًعلى أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أوّل ما رأيت في أمر النبوّةِ ؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: \\\" لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجُل: أهوَ هُو ؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخٍلْقٍ قط، وأرواحٍ لم أجدها من خَلْقٍ قطّ، وثياب لم أرها على أحدٍ قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحدٍ منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مساً. فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قَصر ولا هَصر ([27]). وقال: أحدهما لصاحبه: افلِقْ صدرَه. فهوى أحدهما على صدري ففلقها، فيما أرى بلا دم ولا وجعٍ، فقال له: أخرج الغلّ والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له: أدخل الرأفةَ والرحمةَ، فإذا مثل الذي أخرجه يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغدُ واسْلَم، فرجعتُ بها أغدوُ رقة على الصغير، ورحمةً للكبير \\\" ([28]).
   وعن سعد بن هشام بن عامر قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم  قالت: \\\" كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه\\\"وفي لفظ:\\\" أما تقرأ القرآن؟ قول الله عز وجل: )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( [القلم:4] ([29]).

قال أبو الحسن السندي: \\\" كون خلقه القرآن هو أنه كان متمسِّكاً بآدابه وأوامره ونواهيه ومحاسنه، ويوضحُه أن جميعَ ما قصَّ الله تعالى في كتابه من مكارم الأخلاق مما قصَّه من نبي أو ولي، أو حثَّ عليه، أو ندب إليه كان  صلى الله عليه وسلم متخلِّقًا به، وكل ما نهى الله تعالى عنه فيه ونزَّه كان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يحومُ حوله \\\" ([30]).
وقال ابن القيم: \\\" هذا وأمثاله من الأخلاق التي أدَّب الله بها رسوله.. وهذا لا يتم إلا بثلاثة أشياء:
إحداها: أن يكون العود طيِّباً، فأما إن كانت الطبيعة جافية غليظة يابسة عسر عليها مزاولة ذلك علماً وإرادةً وعملاً بخلاف الطبيعة المنقادة اللينة السلسة القِياَد، فإنها مستعدة إنما تريد الحرث والبذر.

الثانية: أن تكون النفس قويةً غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغيِّ والهوى، فإن هذه الأمور تنافي الكمال، فإن لم تَقْوَ النفس على قهرها وإلا لم تزل مغلوبة مقهورة.
الثالث: علم شاف بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم والزجاجة والجوهرة، فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث، وساعد التوفيق فهو القِسمُ الذي سَبقتْ لهم من ربهم الحسنى وتمَّت لهم العناية \\\" ([31]).
 
فآمنوا بنبي لا أباً لكمُ
رَأفٍ رحيمٍ بأهل البر يرحمهم

 
ذي خاتمٍ صاغَهُ الرحمن مختومُ
مقربٍ عند ذي الكرسي مرحومُ ([32])

 

ثالثاً: من أقوال علماء الغرب في رحمته صلى الله عليه وسلم وصفاته الحميدة:
الحق قد يشهد به المنصفون من المخالفين، وهو من كرم النفوس حين تنطق بالصدق ولو مع المخالف؛ فهذا من قول الحق. ومن أشدِّ الأمور على النفوس أن تُغمَطَ حقَّها في ظل الخلاف والخصومة، وقد أمر الإسلام بذلك   (العدل والإنصاف) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( [ المائدة:8] .
قال (أميل ديرمانجم) المستشرق المعروف في كتابه ( حياة محمد ):
\\\" إن محمداً رسول الإسلام لم يكن إلا رجلاً أمياً كجميع بني جلدته في  عصره ، وكان يعلم أن الإله رحيم رحمة لا حد لها ، فأجهد نفسه في أن يعلو على الطبيعة البشرية ، وأن يقهر في نفسه الميول الانتقامية .. وقد أبدى في أغلب حياته؛ بل طول حياته اعتدالاً لافتاً للنظر ، فقد برهن في انتصاره النهائي على عظمة نفسيةٍ قلَّ أن يوجد لها مثيل في التاريخ ، إذ أمر جنودَه أن يعفوا عن الضعفاء المسنين والأطفال والنساء، وحذرهم من أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار ، أو يقطعوا الأشجار المثمرة ، وأمرهم أن لا يجردوا السيوف إلا في حالة الضرورة القاهرة؛ بل قد بلغنا أنه كان يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحاً مادياً \\\"([33]).

وقال (وليم موير) المؤرخ الإنجليزي في كتابه (حياة محمد ):
\\\" إن حياة محمد التاريخية لا يمكن أن توصف بأحسن مما وصفه الله.. حين قال:  ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( سورة الأنبياء [ المائدة:8] . كان رحمة حقيقية لليتامي وأبناء السبيل والمنكوبين والمدينين وجميع الفقراء والمساكين والعمال ذوي الكدِّ والعناء، ولقد كان رحمة لجنس النساء الذي كان يُعامَل  كالأمتعة والأثاث لا غير ... \\\" ([34]).
ويقول ( لين بول) المستشرق الإنجليزي:
\\\" إن محمدًا - عليه السلام- كان يتصف بكثير من الصفات الحميدة ... وقد بلغ من نبله أنه لم يكن طول حياته البادئَ بسحب يده من يد مصافحه حتى ولو كان المصافح طفلاً ، ولم يمر بجماعة يوماً رجالاً كانوا أو أطفالاً دون أن يقرأ عليهم السلام، وفي شفتيه ابتسامة حلوة، وفي فمه نغمة جميلة تكفي لسحر سامعها فيجذب القلوب إليه جذباً\\\" ([35]).

([1]) تفسير الطبري 9/99.
([2]) فتح القدير، الشوكاني  3/616.
([3]) تفسير الطبري 6/405.
([4]) الوجيز للواحدي 1/470.
([5]) زاد المسير، ابن الجوزي 3/461.
([6]) التحرير  والتنوير، ابن عاشور  10/135.
([7]) أي: بين أظهركم، تفسير ابن كثير، 4/211.
 ([8])تفسير الطبري، 26/ 125.
([9]) تفسير الطبري، 3/ 494.
([10]) تفسير ابن كثير، 1/556.
([11]) تفسير الثعالبي  1/326-327.
([12]) الكشاف، الزمخشري  1/216.
([13]) تفسير الطبري 6/523.
([14]) تفسير القرطبي  8/301.
([15]) تفسير الطبري 7/ 542.
([16]) تفسير ابن كثير  4/514.
([17]) التسهيل في علوم التنزيل، الكلبي  4/56.
([18]) فتح القدير ، الشوكاني 5/55، وهذا المعنى اختاره ابن سعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/795.
 ([19])إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، أبي السعود العمادي 8/114.
([20]) الدارمي في سننه، (15)،  والحاكم في المستدرك، ح (100)، والبيهقي في شعب الإيمان، ح (1402)، وصححه الألباني. المشكاة ح (5800).
([21]) مسلم، ح (2599)، والبخاري في الأدب المفرد، ح (321).
([22]) فيض القدير، المناوي 2/573.
([23]) مسلم ،ح (2355)  والمقفّي: المتبِع للأنبياء. والحاشر: أي الذي يُحشر الناس خلفه وعلى ملته دون ملة غيره. انظر تعليقات فؤاد عبدالباقي على مسلم، 4/1828.
([24]) طريق الهجرتين، ابن القيم، ص 215.
([25]) الحاكم في المستدرك، ح (4221)، وأحمد في المسند، ح (8939) 2/381 بلفظ: \\\" صالح الأخلاق\\\". والحديث صححه الألباني، السلسلة الصحيحة ح (45).
([26]) البخاري، ح (4)، ومسلم، ح (160).
([27]) بلا قَصْر ولا هَصْر: أي بلا  عنف ولا ضغط.
 ([28])أحمد، ح (21296) 5/139، وضعف إسناده شعيب الأرناؤوط.
([29]) مسلم، ح (746)، وأحمد في المسند، ح (24645)، واللفظ له،  وصححه الألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادته، ح (8942).
([30]) حاشية السندي على سنن النسائي، أبو الحسن السندي، 3/200.
([31])الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه، ابن القيم، ص 77.
([32]) لسان العرب، ابن منظور 9/112، تاج العروس، الزبيدي 1/5857.
([33]) محمد رسول الإسلام في نظر فلاسفة الغرب، محمد فهمي عبدالوهاب، ص 32،34.
([34]) موقع: مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية  والاستراتيجية، على شبكة الإنترنت.
hرضي الله عنهرضي الله عنهp://www.ashaصلى الله عليه وسلمqalaصلى الله عليه وسلمabi.oصلى الله عليه وسلمg.uk
([35]) محمد رسول الإسلام في نظر فلاسفة الغرب، محمد فهمي عبدالوهاب، ص 35.



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع