النصوص الواردة في رحمته صلى الله عليه وسلم(1)
صالح التويجري
أولاً: من القرآن الكريم وتفسيرها :
قال الله تعالى: ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( [الأنبياء :107].
فإذا كان إرسال الرسل رحمة لقومهم، فإن رسالة النبي رحمة لمن اتبعه وعصاه.
قال الطبري: " أرسل نبيَّه محمدا صلى الله عليه وسلمرحمة لجميع العالم مؤمنهم وكافرهم فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فأنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله " ([1]).
وقال الشوكاني: " أي: وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس.. ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين.. ومعنى كونه رحمة للكفار: أنهم أمِنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال.. بدليل قوله سبحانه: )وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( [الأنفال: 33 ] ([2]).
قال الله تعالى: ) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( [التوبة:61].
قال الطبري: " بمعنى : وهو رحمة للذين آمنوا منكم، وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه وصدق بما جاء به من عند ربه؛ لأن الله استنقذهم به من الضلالة وأورثهم باتباعه جناته " ([3]).
وقال الواحدي: " أي: وهو رحمة؛ لأنه كان سبب إيمانهم " ([4]).
وقال ابن الجوزي: " أذن خير لا أذن شر يسمع الخير فيعمل به ولا يعمل بالشر... والمعنى مستمع خير ورحمة " ([5]).
وقال ابن عاشور: " وجملة ( يؤمن بالله ) تمهيد لقوله بعده ( ويؤمن للمؤمنين ) إذ هو المقصود من الجواب لتمحضه للخير وبعده عن الشر بأنه يؤمن بالله، فهو يعامل الناس بما أمر الله به من المعاملة بالعفو والصفح والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، وبأن لا يؤاخَذ أحد إلا ببينة، فالناس في أمن من جانبه فيما يبلغ إليه؛ لأنه لا يعامل إلا بالوجه المعروف؛ فكونه يؤمن بالله وازع له عن المؤاخذة بالظنة والتهمة، والإيمان للمؤمنين تصديقهم في ما يخبرونه... فتصديقه إياهم لأنهم صادقون لا يكذبون، لأن الإيمان وازع لهم عن أن يخبروه الكذب فكما أن الرسول لا يؤاخذ أحداً بخبر الكاذب فهو يعامل الناس بشهادة المؤمنين فقوله: )وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ( ثناء عليه بذلك يتضمن الأمر به... وعطف جملة: ( ورحمة ) على جملتي ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)؛ لأن كونه رحمة للذين يؤمنون بعد علمه بنفاقهم أثر لإغضائه عن إجرامهم ولإمهالهم حتى يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان منهم، ولو آخذهم بحالهم دون مهل لكان من سبق السيف العذل، فالمراد من الإيمان في قوله: (آمنوا) الإيمان بالفعل لا التظاهر بالإيمان كما فسر به المفسرون. يعنون بالمؤمنين المتظاهرين بالإيمان المبطنين للكفر وهم المنافقون، وقرأ حمزة بجر (ورحمةٍ) عطفا على (خير) أي أذن رحمة والمآل واحد " ([6]).
وقال الله تعالى: ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ([الحجرات: 7] .
قال الطبري: " اعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله أن فيكم ([7]) رسول الله فاتقوا الله أن تقولوا الباطل وتفتروا الكذب فإن الله يخبره أخبارَكم، ويعرفه أنباءَكم، ويقوِّمه على الصواب في أموره.. لو كان يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم لنالكم الشدة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم... ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه وكان يطيعكم لنالكم وأصابكم " ([8]).
وقال الله تعالى: ) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( [ آل عمران: 159] .
قال الطبري: " فبرحمة الله يا محمد ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك )لِنتَ لَهُمْ ( لأتباعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك وحسنت لهم أخلاقك حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتبعك ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم فبرحمة من الله لنت لهم " ([9]).
وقال ابن كثير: " يقول تعالى مخاطباً رسوله ممتناًّ عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه... أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم...وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به...لو كنت سيء الكلام قاسي القلب عليهم لا نفضوا عنك وتركوك ولكن الله جمعهم عليك وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم" ([10]).
وقال الثعالبي: " ومعنى هذه الآية التقريع لكل من أخلَّ يوم أحد بمركزه، أي كانوا يستحقون الملام منك ولكن برحمة منه سبحانه لنت لهم وجعلك على خلق عظيم وبعثك لتتميم محاسن الأخلاق، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك وتفرقوا عنك، والفظ الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته صلى الله عليه وسلم في الكتب المنزلة ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، والفظاظة الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ،وغلظ القلب عبارة عن تجهُّم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة، والانفضاض افتراق الجموع، وقوله تعالى: )..فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ..( [آل عمران: 159] أمر سبحانه نبيَّه عليه السلام بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، فأمره أن يعفو عنهم فيما له عليهم من حق، ثم يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلا"([11]).
وقال الزمخشري: " ومعنى الرحمة: ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم " ([12]).
وقال الله تعالى: ) لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( [التوبة (128].
قال الطبري: " إن الله عمَّ بالخبر عن نبي الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه ولم يخصص أهل الإيمان به فكان صلى الله عليه وسلم كما جاء الخبر من الله به عزيز عليه عنت جميعهم ...حريص على هدى ضلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق " ([13]).
وقال القرطبي: " الخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك؛ إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه وشرفوا به غابر الأيام، وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم ... والأول أصوب قال ابن عباس : " ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم والقول الثاني أوكد للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به " ([14]).
وقال الله تعالى: )وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( [الشعراء :215].
قال الطبري: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وألن لمن آمن بك واتبعك واتبع كلامك وقربهم منك ولا تجف بهم ولا تغلظ عليهم يأمره تعالى ذكره بالرفق بالمؤمنين، والجناحان من بني آدم: جنباه والجناحان: الناحيتان. ومنه قول الله تعالى ذكره: ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى( [ طـه: 22]. قيل: معناه : إلى ناحيتك وجنبك" ([15]).
وقال الله تعالى:) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( [ القلم : 4] .
قال ابن كثير: " معنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية له وخلقاً تطبعه... مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته ؟ وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا شممت مسكاً ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم " ([16]).
وقال الله تعالى: ) مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( [الفتح :29].
قال الكلبي: " الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، وأما على ما اختاره ابن عطية فيكون الوصف بالشدَّة والرحمة مختصاًّ بالصحابة دون النبي صلى الله عليه وسلم، وما أحق النبي صلى الله عليه وسلم بالوصف بذلك ؛ لأن الله قال فيه: )... بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( [التوبة:128]" ([17]).
وقال الشوكاني: " قرأ الجمهور برفع أشداء و رحماء على أنه خبر للموصول أو خبر لمحمد وما عطف عليه " ([18]).
وقال أبو السعود العمادي: " والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة " ([19]).
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

