رحمته صلى الله عليه وسلم بأصحابه:(2)
صالح التويجري
وعن جابر رضي الله عنه قال: سافرت معه صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره -قال أبو عقيل: لا أدري غزوة أو عمرة- فلما أن أقبلنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أحبَّ أن يتعجَّل إلى أهله فليعجل. قال جابر: فأقبلنا وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية والناس خلفي، فبينا أنا كذلك إذ قام عليَّ. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا جابر استمسك. فضربه بسوطه ضربة فوثب البعير مكانه فقال: أتبيع الجمل. قلت نعم، فلما قدمنا المدينة ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد في طوائف أصحابه، فدخلت إليه وعقلت الجمل في ناحية البلاط، فقلت له: هذا جملك، فخرج فجعل يطيف بالجمل، ويقول: الجملُ جملُنا. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أواقٍ من ذهب فقال: أعطوها جابرًا. ثم قال: استوفيتَ الثمنَ. قلت: نعم. قال: الثمنُ والجملُ لك " ([19]).
مظهر الرحمة:
تقدير شوق المسافر إلى أهله وإتاحة الفرصة لمن له رغبة في المبادرة والعجلة في أهله.
قوله لجابر: ( استمسك.. ) خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن نفس جابر لا زالت متعلقة بالجمل، فجمع له بين الثمن والمثمن.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني مجهود([20]) فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت: مثل ذلك حتى قلن كلُّهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال: من يضيف هذا الليلةَ رحمه الله، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء ؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال: فعلِّليهم بشيء فإذا دخل ضيفُنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة " ([21]).
مظهر الرحمة:
الرحمة الأولى: عرضه على نسائه إضافة هذا المجهود.
والثانية: دعاؤه بالرحمة لمن يقوم بضيافته.
والثالثة: إدخال السرور على المضيف حين أخبره بعلم الله بحاله وعجبه منهما، فهو دليل الرحمة والإنصاف لما بذل من كرم وسخاء جعله يقدم ضيفه على أهله وأولاده.
وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته، ثم انصرف قال عثمان، ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي، ثم انصرفت فقالت عائشة: يا رسول الله ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عثمان رجل حييٌّ، وإني خشيتُ إن أذنتُ له على تلك الحال أن لا يبلغ إليَّ حاجتُه" ([22]).
مظهر الرحمة:
وهذا من أعظم تقدير الأحوال الشخصية، وفهم النفسيات. فقد يكون لأبي بكر وعمر من الحضوة والجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهما على إبداء مرادهما، ولما عُرف عن عثمان من الحياء فقد يمنعه ذلك من إبداء مراده، فرحم النبي صلى الله عليه وسلم عثمان من أن يرجع وحاجته في نفسه.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: تقوَّوا لعدوكم ، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم ([23]).
قال أبو بكر : قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصبُّ على رأسه الماء من العطش أو من الحر، ثم قيل: يا رسول الله إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت، فلما كان بالكديد دعا بقدح فشرب فأفطر الناس" ([24]).
مظهر الرحمة:
قد يحتمل القائد أكثر من غيره، وهذا لا يعني إلزام الآخرين بنفس العبء الذي تحمله، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بل أمرهم بالفطر؛ لئلا يجتمع عليهم صيام وسفر وجهاد، رحمةً بهم وتخفيفاً عن معاناتهم.
وعن عقبة بن عامر قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع إلى المنبر فقال: " إني بين أيديكم فرط (أي سابقكم)، وإني عليكم لشهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لستُ أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدُّنيا أن تتنافسوا فيها. قال: فكانت آخرَ نظرةٍ نظرتهُا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ([25]).
مظهر الرحمة:
الخَطْبُ في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم جسيم، ووَقعُ أجلهِ على الأمة خطير، ومن أشد الأمور على النفس أن يُنْعى عليك من تحب نفسه. فرحمته بالأمة وخاصة في حضرة منهم جعل هذه المقدمة لتخفِّف وقع الخبر، فلم يقل: (قرب أجلي)؛ بل قال: (إني بين أيديكم فرط) كأحد صور العزاء، وعليكم شهيداً وحسبكم عدلاً بهذا الشاهد، فلا خوف من الجور. وتحديد الموعد بالحوض تشويق للقاء منتظر، وطمأنة لهم من خطر المزالق وهو الشرك. وتحذير لهم من الغفلة خلف الدنيا والغرق في الشهوات فهي العنت والنَّكد.
رحمته صلى الله عليه وسلم بأهل الصفَّة:
أهل الصفَّة هم: فقراء الصحابة الذين لا أهل لهم ولا مأوى ولا ولد، كانوا ينزلون في سقيفة في ناحية من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصفَّة كانت في مؤخر مسجد النبي في شمالي المسجد بالمدينة النبوية، كان يأوي إليها من كان من فقراء المسلمين ([26]) .
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهَّد أهل الصفَّة بنفسه، فيزورهم ويتفقَّد أحوالهم، ويعود مرضاهم كما كان يكثر مجالستهم ويرشدهم ويواسيهم ويذكرهم، ويقصُّ عليهم، ويوجههم إلى قراءة القرآن الكريم ومدارسته، وذكر الله والتطلع إلى الآخرة، ويشجِّعُهم على احتقار الدنيا، وعدم تمني الحصول على متاعها.. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوزِّع أهل الصفَّة بين أصحابه بعد صلاة العشاء ليتعشُّوا عندهم، ويقول: " من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث وإن أربع فخامس أو سادس، فيأخذ الصحابة بعضهم ومن بقي منهم يصحبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى داره فيتعشون معه ".. ويبدو أن الأمر كان كذلك في بداية الهجرة فلما جاء الله بالغنى لم تعد هناك حاجة لتوزيعهم على دور الصحابة([27]).
مظهر الرحمة:
ومع حب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعمل والتكسب الحلال، وحثُّه على شرف المهنة عن المسألة، فإنه يقدر لبعض النفوس رغبتها بالانقطاع عن الدنيا، وعدم التشوُّق إلى المباحات أو التوسُّع في مطالب النفوس.
ومن رحمته بهؤلاء الخلطة معهم، وإدخال السرور عليهم، ومؤانستهم؛ لئلا يشعروا بشيء من الدونيَّة أو الانتقاص.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسَّم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله قال: الْحَقْ ومضى فاتبعته، فدخل فأستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبناً في قدح فقال: من أين هذا اللبن. قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال: أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله قال: الحَقْ إلى أهل الصفَّة فادْعُهم لي " ([28]).
مظهر الرحمة:
برغم المعاناة الشخصية لم ينس الفقراء؛ بل أول ما يطرأ عليه أحوال المساكين إذا قُدِّم إليه شيء، وقد كان من شدة حرصه عليهم أن يعرف ذلك في وجوههم، ويكفيهم عناء المسألة والشكوى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال: ادعُ لي أصحابي يعني أهل الصفَّة فجعلت أتبعهم رجلاً رجلاً فأوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنَّا فأذن لنا فوضع لنا صحفة فيها صنيع من شعير ووضع عليها يده، وقال: خذوا باسم الله فأكلنا منها وقال: والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئاً ترونه".
مظهر الرحمة:
إن مشاركة الفقراء والمساكين والأغنياء في طعامهم من أعظم صور المواساة، فحتى لا تذهب أنفسهم إلى أن ثمّةَّ نعيم أكثر أخبرهم بأن هذا الذي أمسى من الطعام عندهم. فهي مشاركة بالفعل، ومشاركة بالشعور، وكلُّها تصُبُّ في خلق الرَّحمة بهؤلاء.
([1]) مسلم، ح (2601)، وأحمد في المسند، ح (9801) 2/ 449.
([2]) البخاري، ح (3461).
([3]) البخاري، ح (3454).
([4])البخاري، ح (430)، ومسلم ، ح (2409).
([5]) البخاري، ح (1399)، ومسلم، ح (983).
([6]) أبو داود، ح (1522)، وما بين القوسين للنسائي في المجتبى ، ح (1303)، وصححه الألباني، صحيح الجامع الصغير، ح (7969).
([7]) البخاري، ح (1189). وهذا الحديث كان في غزوة مؤتة .
([8]) البخاري، ح (605)، ومسلم، ح (674).
([9]) المخبأة: هي الفتاة التي لم تتزوج. وجلد مخبأة: كناية عن صفاء لونه وشدة بياضه، وقوله: لبط: صرع وسقط على الأرض، لسان العرب، ابن منظور 1/62. تاج العروس، الزبيدي 20/62.
([10]) أحمد في المسند، ح (16023) 3/486، وابن ماجه، ح (3509) وصححه الألباني، صحيح الجامع الصغير، ح (4020).
([11]) البخاري، ح (5344)، ومسلم، ح (1628).
([12]) البخاري، ح (152)، ومسلم، ح (150).
([13]) الصارم المسلول، ابن تيمية، ص 199.
([14]) البخاري، ح (3694).
([15]) البخاري، ح (2512)، ومسلم، ح (788).
([16]) البخاري، ح (2512).
([17]) البخاري، ح (3829).
([18]) البخاري، ح (3833).
([19]) البخاري، ح (2706).
([20]) أي: أصابني الجهد وهو المشقة من الجوع. فتح الباري، ابن حجر 7/119.
([21]) البخاري، ح (3587)، مسلم، ح (2054).
([22]) مسلم، ح (2402)، وأحمد في المسند، ح (25378) 6/167.
([23]) أبو داود، ح (2365)، وصححه الألباني بصحيح أبي داود. وأصله بمسلم، ح (1114) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
([24]) أحمد في المسند، ح (15944) 3/475، وصححه شعيب الأرناؤوط.
([25]) البخاري، ح (3816)، ومسلم، ح (2296).
([26])مجموع الفتاوى 11/38.
([27]) السيرة النبوية الصحيحة ، أكرم ضياء العمري ص 266-268. والحديث عند البخاري، ح (577)، ومسلم ، ح (2057)، من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه.
([28]) البخاري، ح (6087)، ومسلم ، ح (2773).
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

