تخطَّ إلى المحتوى
انتقل إلى المحتوى

هذا الأرشيف مجاني ويقوم على دعم القرّاء.

تبرّع

مراعاته صلى الله عليه وسلم جوانبَ النّفس البشرية:(1)

العربيةقراءة ٧ دقائق

   صالح التويجري   

هذا الدين دين الجماعة والرحمة، كان أعظم داعية فيه محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان رجلَ عامَّةٍ لم تأخذه الخاصة عن بسط الذات للناس. وهذا مدخل عظيم لمعرفة أحوال الناس، وتقدير ظروفهم عند التكليف، وفهم نفسياتهم عند المعاملة..فأعظم أسس علم الاجتماع جاءت في الشريعة الإسلامية ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحبَّ أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس إلى يحب أن يؤتى إليه"([1]).

ولقد اشتمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته مع كل طبقات الناس وإنزالهم منازلهم حتى ظن بعضهم أنه أحبُّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرى من شدة الاهتمام، والتلطف والإقبال أتاح له ذلك التفرُّس في خصائص النفس، ومعرفة الثغرات التي يجب على المربي ملؤها.. والمداراة لأشخاص جُبِلوا على بعض الصفات المنفِّرة.
مراعاته صلى الله عليه وسلم الجانب الاجتماعي:

  عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن. فقال: للناس تقدَّموا فتقدَّموا ثم قال: لي تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقتُه، فسكت عنى حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره فقال: للناس تقدَّموا فتقدَّموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك. (فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه الحال فقال لتفعلن)، فسابقتُه فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول هذه بتلك" ([2]).
مظهر الرحمة:
بهذه الروح الدعابية، والشفافية الإنسانية.. برغم ضخامة المسؤوليات يضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في التعامل مع المرأة التي كثيراً ما تحتاج إلى الإنصاف العاطفي.. ففي الوقت الذي يَغرَقُ بعضنا في مشاغله عن أهله. يتحيَّن من الفرص لتعويض أهله وأسرته بشيء من المزاح والترفيه المباح.

  وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا... قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أَناسَ من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقنح... قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا، وأخذ خطيا وأراح علي نعم ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك. قالت: لو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر أنية أبي زرع. قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت لك كأبي زرع لأم زرع" ([3]).
مظهر الرحمة:
هذا المثل في جوامع الصفات الحميدة، يدل على أنه صلى الله عليه وسلم جمع لها أفضل ما يمكن أن يضعه رجل لأهله. وفي الاستماع لحديث المرأة، والنزول إلى مستوى الهمِّ الشخصي للناس، كالحديث عن الأزواج وأساليبهم في التعامل. وفيه من إدخال السرور بالمرأة ما يُعَدُّ مظهراً من مظاهر الرحمة بها.
مراعاته صلى الله عليه وسلم الجانب الدنيوي:
هذا باب من أوسع الأبواب في الشريعة. فهي وإن أعطت الضوابط العامة والقواعد والأصول فقد تركت مساحة كبرى للمتغيرات، يدخل فيها أحوال الناس، واختلاف الزمان والمكان، وأحالته على أصحاب الرأي، وما تعارف عليه الناس وما اعتادوه من أسلوب حياتهم؛ ما دام في الإطار العام للشريعة. وهذه رحمة عامة؛ لأنها تتحرك مع الناس في كل تقلُّباتهم وتحمُّلهم مسؤوليةَ اختيارهم؛ لئلا يظنوا أن الشريعة أغلقت عليهم منافذ الحركة في شئونهم الدنيوية ولعلماء الأصول في هذا الباب فرائد رائعة، تدل على سعة الشريعة، واستيعابها كلَّ المتغيرات.

  عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصواتاً فقال: ما هذا؟ قالوا: يلقحون النخل. فقال: لو تركوه فلم يلقحوه لصلح، فتركوه فلم يلقحوه، فخرج شيصًا. فقال النبي :صلى الله عليه وسلم ما لكم؟ قالوا: تركوه لما قلت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإليَّ" ([4]).
مظهر الرحمة:
وهذا نموذج لما سبق من توسيع مجال التحرك البشري في أمور دنيوية بحتة، لئلا يتأثموا حين المخالفة للرأي النبويِّ المجرد.
مراعاته صلى الله عليه وسلم الجانب السياسي:
نجاحُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في كلِّ الأصعدة دليلُ وفائِه بكل مطالب الحياة، فقد كانت علاقاته بأصحابه ومع مخالفيه قمة الإنسانية والرحمة، في إتاحة الفرص للرأي، وعدم الاستبداد في المواقف، وهذا من الرحمة بالأمة؛ لأن الأمر الذي يتعلَّق بعامة الناس واتخاذ القرار فيه من الخطورة بمكان. فكان صلى الله عليه وسلم يحرص على أن لا يخاطر بالأمة أو يتفرد باتخاذ موقف وقرار مصيريٍّ إلا وأدخل معه ذي الرأي والحجا..
ومن تأمل خطاباته صلى الله عليه وسلم مع ملوك زمانه واستقباله الوفود.. وتنظيم شؤون أمته أدرك المعنى الحقيقي لأصول السياسة الشرعية في الإسلام، وما تنطوي عليه المعاهدات والعقود من الوضوح في بُنُودِها وتقديرها لأحوال الناس والرحمة بهم جميعاً.
قال الله تعالى: )... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ.. ( [آل عمران: 15] .
قال الطبري: " إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه تألفاً منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يُؤمَن عليه معها فتنة الشيطان وتعريفاً منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتأخٍ للحق، وإرادة جميعهم للصواب من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى فالله مسدِّدهم وموفقهم" ([5]).

  وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " ما رأيتُ أحدًا أكثر مشورةٍ لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" ([6]).
قال الحسن: " ما تشاور قومٌ قطُّ بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم -وفي لفظ- إلا عزم الله لهم بالرُّشدِ أو بالذي ينفع " ([7]).
   وقال قتادة: "ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هُدُوا لأرشد أمرهم" ([8]).
   مظهر الرحمة:
لا غرابة في استشارة أحدِنا لغيره ولكن أن يستشير نبيٌّ يوحى إليه فإن في هذا من التعليم والتربية شيء عظيم، وكذلك تعويد الناس تحملَ النتائج التي شاركوا في صنع قراراتها، وهم أدرى بقدراتهم وأحوال قومهم حين يُدْلُون برأيهم، وهذا غاية في استطلاع الرأي العام من خلال قنوات أهل الحل والعقد والمشاهير في القوم، وهذا الإلماح إلى سرِّ التوفيق والنجاح. (قوم يبتغون وجه الله). وهذا ميزان يضبط الآراء والمقاصد.

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض (يعني الباب)، وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة " ([9]).
مظهر الرحمة:
مع رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في فعل الأفضل، فإنه رحم حالَ أصحابِه الذين لديهم تعظيم للبيت، وكذلك لم يتعمَّق الإسلام في نفوسهم بشكل تؤمن معه الفتنة ترك التعرض للكعبة بشيء من التغيير ولو بفتح باب في المقابل. وهذا من مراعاة المصالح والمفاسد، وقدّم حال الناس على الأفضل في الشريعة؛ لأن ذلك قد يدرك في الزمن القادم، وحين تستقر الأحوال ولكن الإيمان الذي لا يزال غضاًّ إذا تعرض لشيء من الإرباك قد لا يعوَّض.

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال:" لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة " ([10]).
مظهر الرحمة:
هذا الحكم منبعث من الرحمة بتلك الأمة وبهذه المرأة؛ لأن المشقَّة سوف تلحق الطرفين حين تتولى المرأة شؤون الحكم فهو تحذير يتضمَّن النهي للمسلمين؛ لئلا تقتحم المرأة في مجالات تشقُّ عليها، وعلى الأمة من ورائها.
مراعاته صلى الله عليه وسلم الجانب النفسي:
في كل المؤثرات النفسية تجد للنبي صلى الله عليه وسلم منهجاً يهتدي به السالكون.. وحيث كان بشراً سوياً، ونبياً رحيماً جعل نصيب النفوس واصطحاب الحالات الفردية ممازجاً للعبادات الشرعية، حين يكون الأمر جماعياً، أما حين ينفرد الإنسان فشأنه في نفسه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلَّى أحدكم للناس فليخفّف، فإن في الناس الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء" ([11]).



نُشرت أصلًا في mercyprophet.org

اقرأ أيضًا

  1. غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة

    الشيخ محمد صالح المنجد

    غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.

  2. لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص

    لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟

  3. 1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة

    د. أحمد بن عثمان المزيد

    1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…

  4. أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    الشيخ محمد صالح المنجد

    أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…

  5. مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1

    د. عادل الشدي

    المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

تواصل معنا لدعم المشروع