رحمته صلى الله عليه وسلم بكبار السن
الأستاذ الدكتور / راغب السرجاني
كان محمد رحيمًا بالضعفاء بشوشًا سهل المعاملة رقيق القلب [1]
من المقدر أن يرتفع عدد المسنين من حوالي 600مليون إلى حوالي مليارين من المسنين بحلول عام 2050م، ومن المتوقع للمرة الأولى في التاريخ، أن يصبح عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم سن الستين أكثر من عدد الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة[2].
مع أن كبير السن قد ازداد خبرة ودراية وحكمة، ومع أنه قد يكون قد ازداد مالاً وجاهًا، إلا أنه لا شك يعاني صورة واضحة من صور الضعف، وذلك في صحته وجسمه، وقد يكون في شكل آخر من أشكال الضعف الكثيرة، والله عَزَّ وجَلَّ ذكر ذلك تصريحًا في كتابه فقال: ".. "ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً" "[3].
ولهذا الضعف أولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية خاصة لكبار السن، وظهر ذلك في أقواله وأفعاله على حَدٍّ سواء..
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ" إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ "[4].
وهو هنا في هذه الكلمات الرقيقة يُعظِّم عند المسلمين قيمة الشيخ الكبير، حتى إنه لَيُقدِّمه على حامل القرآن، وعلى الحاكم العادل مع عظم قدرهما، وسمو مكانتهما..
وجاء شيخ " ذات يوم يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فأبطأ القوم أن يُوسِّعوا له، فَرَقَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَحِمَه، وقال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا" ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا"[5].
إنه يقول: إن الذي لا يرحم الصغير ولا يوقَّر الكبير ليس منا نحن المسلمين، أي أنه لا يتصف بصفاتنا، ولا يعمل بأعمالنا، ولا يتخلَّق بأخلاقنا.. وما أحسب أن قانونًا في العالم ـ غير الإسلام ـ قد جعل احترام الكبير وتوقيره أصلاً من أصوله..
وكانت هذه سِمَته في حياته صلى الله عليه وسلم ..
وما أروع ما قاله "أبو بكر الصديق" > يوم فتح مكة حين أتى بأبيه أبي قحافة، وكان شيخًا كبيرًا مسنًّا ليُسلِمَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت الحرام، فقال صلى الله عليه وسلم: "هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ" فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ"[6].
إنه القائد المنتصر الذي يدخل مكة فاتحًا، وأبو قحافة شيخ كبير تأخَّرَ إسلامه أكثر من عشرين عامًا، ومع ذلك يوقِّره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرى أنه كان الأَوْلى أن يتحرك هو ـ وهو الرسول الزعيم المنتصر ـ إلى بيت الشيخ!
هذه هي منزلة كبار السن في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم.. بل إنه صلى الله عليه وسلم يرفض أن تطول الصلاة الجماعية - مع حُبِّه لها وتعظيمه لقدرها - لأن ذلك قد يشق على كبير السن وغيره من أصحاب الحاجات، وهذا دليل على نظرته الشمولية لمسألة الرحمة ، ودليل على اتساع أفقه، وإدراكه لحقيقة الإسلام، وإنه في الأساس رحمة للناس وليس مشقة " وعذابًا لهم.. نلحظ كل ذلك من موقف فريد رواه أبو مسعود الأنصاري [7] > وفيه أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة[8] من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشدَّ غضبًا منه يومئِذٍ، ثم قال: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ" فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ "[9].
فيالَعَظَمَةِ هذا الموقف!!
وإذا كانت كل هذه الرحمة لعموم كبار السن، فإنها ولا شك أعظم وأجلُّ في حق الوالدين..
إن الأبوين في كثير من بلاد العالم - الذي يسمُّونه متحضرًا في زماننا - لا يجدان رعاية ولا عونًا من أبنائهم بعد أن يتقدم بهما العمر، وتضعف منهما الصحة..
لكنَّ الأمر ليس كذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم..
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صَحَابَتي؟ قال: "أمك. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثم أبوك"[10]
فأحق الناس بالصحبة ليس الصديق ولا الحاكم ولا صاحب العمل ولا غير هؤلاء، إنما أحق الناس بالصحبة الأم ثم الأب، وقدَّم الأم ثلاثًا لضعفها وشدة احتياجها عند كبرها..
هذه هي رحمته صلى الله عليه وسلم بالأم والأب، ولْيُقارن أهل الأرض بين هذه الرحمة وما يحدث في العالم أجمع!..
بل إنه صلى الله عليه وسلم في موقف آخر يقول ما يتفطَّر له القلب رقةً وتأثرًا!!
لقد جاءه رجل يقول له: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبويَّ يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارجع إليهما ، فأضحكهما كما أبكيتهما"[11]!
يا لَرَحْمَتِك يا رسول الله!!
فالرجل جاء يبايع على الهجرة، والأمر جد خطير، ومع ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يهتم - ليس فقط برضا والديه وراحتهما - بل وبضحكهما وسرورهما!!
هذه هي رؤيته صلى الله عليه وسلم لكبار السن في أمته، وهذه هي رؤيته للواجب نحو الوالدين، وإذا كان هناك في العالم من يدَّعي أن قانونه يشبه ـ ولو من بعيد ـ قانون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنني على يقين أنه لن يوجد من يدَّعي أن هناك مَن طبَّق على أرض الواقع ما طبَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مواقف الرحمة ، ومن مظاهر الرعاية لحقوق الإنسان!! وصدق الله العظيم إذ يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ "[12].
[1] فلور اندريه(مستشرق ألماني) :كتاب العالم الشرقي ..
[2] تقرير الجمعية العالمية الثانية للشيخوخة، الصادر عن الأمم المتحدة، أبريل 2002م، المنشور على الشبكة العنكبوتية، الرابط الإلكتروني http://www.un.oصلى الله عليه وسلمg/aصلى الله عليه وسلمabic/confeصلى الله عليه وسلمences/ageing/docs/A_CONF_197_9.pdf.
[3] (الروم: 54).
[4] أبو داود (4843)، والبخاري في الأدب المفرد (357)، وابن أبي شيبة (21922)، والبيهقي في شعب الإيمان (2685)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، وَثَّقَه ابنُ حبان ودحيم وضعفه أبو داود وغيره، وبقية رجاله ثقات، وقال الشيخ الألباني: (حسن). انظر حديث: (2199) في صحيح الجامع.
[5] الترمذي (1919) واللفظ له، وأحمد (6733)، والحاكم (209)، والبخاري في الأدب المفرد (358)، والطبراني في الكبير (12276)، وأبو يعلى (4242)، وقال الشيخ الألباني: (صحيح). انظر حديث: (5445) في صحيح الجامع.
[6] أحمد (27001)، وابن حبان (7208)، والحاكم (4363)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
[7] أبو مسعود الأنصاري XE \F "B" "أبو مسعود الأنصاري" : هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة، من بني الحارث بن الخزرج، كان أحدث من شهد بيعة العقبة سنًا، ومات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين.. الإصابة الترجمة (5607).
[8] صلاة الغَدَاة: صلاة الصبح.
[9] البخاري: كتاب الجماعة والإمامة، باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود (670)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (466)، والدارمي (1259)، وابن خزيمة (1605)، وابن حبان (2137)، والطبراني في الكبير (560)، وابن أبي شيبة (4657).
[10] البخاري: كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة (5626)، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين، وأنهما أحق به (2548)، وابن ماجة (3658)، وابن حبان (434)، وأبو يعلى (6092).
[11] أبو داود (2528)، والنسائي (4163)، وابن ماجة (2782)، وأحمد (6490)، وابن حبان (7250)، والحاكم (7250)، والبزار (2409)، وزاد: وأبى أن يبايعه، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
[12] (الأنبياء: 107).
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

