"الرحمة" بغير المسلمين منهجٌ إلهيٌّ
الأستاذ الدكتور / راغب السرجاني
إذا بحثنا عن محمد إجمالياً نجده يتصف بالرحمة الخالصة[1]
"وإذا اَقتَرَبتُم مِنْ مدينةٍ لِتُحارِبوها فاَعْرُضوا علَيها السِّلْمَ أوَّلاً، فإذا اَستَسلَمَت وفتَحَت لكُم أبوابَها، فجميعُ سُكَّانِها يكونونَ لكُم تَحتَ الجزيةِ ويخدِمونكُم، وإنْ لم تُسالِمْكُم، بل حارَبَتكُم فحاصَرتُموها فأسلَمَها الرّبُّ إلهُكُم إلى أيديكُم، فاَضْرِبوا كُلَ ذكَرٍ فيها بِحَدِّ السَّيفِ، وأمَّا النِّساءُ والأطفالُ والبَهائِمُ وجميعُ ما في المدينةِ مِنْ غَنيمةٍ، فاَغْنَموها لأنْفُسِكُم وتمَتَّعوا بِغَنيمةِ أعدائِكُمُ التي أعطاكُمُ الرّبُّ إلهُكُم، هكذا تفعَلونَ بجميعِ المُدُنِ البعيدةِ مِنكُم جدُا، التي لا تخصُّ هؤلاءِ الأُمَمَ هُنا، أمَّا مُدُنُ هؤلاءِ الأُمَمِ التي يُعطيها لكُمُ الرّبُّ إلهُكُم مُلْكًا، فلا تُبقوا أحدًا مِنها حيُا، بل تُحَلِّلونَ إبادَتَهُم[2]"
هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!
ينبع جمال المنهج الإلهي في الرحمة بغير المسلمين من كونه ليس قانونًا بشريًا يصطلح الناس على إقراره أو إلغائه.. ولكن من كونه قانونًا إلهيًّا سماويًّا، يتعبَّد المسلمون لربهم بتطبيقه..
يقول تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ" وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[3]".
ألا ما أعظمه من إلهٍ، وما أرحمه من ربٍّ!!
و"أن تبرُّوهم" - كما يقول ابن كثير في تفسيره – أي: تحسنوا إليهم[4].
والبرُّ درجة أعلى من القسط، بدليل أن الله عز وجل أضاف القسط إليها فقال: "أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ".
ولاحِظْ أن الله عز وجل جاء بكلمة لا تُستخدَم إلا في أعظم صور التعامل وأرقاها.. فهي تستخدم في وصف صورة التعامل بين الأبناء وآبائهم وأمهاتهم، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئِل: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ:"الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا "، قَالَ السائل: ثُمَّ أَيٌّ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ.."[5].
فهذه هي الدرجة التي يريد الله منا أن نتعامل بها مع غير المسلمين في حالة عدم حربهم لنا..
وإذا كان هذا القانون معجزًا في سُمُوِّه ورُقِيِّه، فقد كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة أيضًا في تطبيق هذا القانون وممارسته..
[1] هنري ماسيه (مستشرق فرنسي): الإسلام ترجمة :بهيج شعبان ـ عويدات للطباعة والنشر،1988 صـ 55
[2] التوراة، سفر التثنية، إصحاح20، 10-18.
[3] (الممتحنة: 8).
[4] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/447.
[5] البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة على وقتها (504)، ومسلم في الإيمان، باب كَوْن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (85)، والترمذي (2948)، والنسائي (610)، وأحمد (3890).
اقرأ أيضًا
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة
الشيخ محمد صالح المنجد
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأركان الخمسة سؤال: لماذا اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأركان الخمسة ؟.
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص
لماذا يجب علينا أن نحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من أي شخص آخر ؟ سؤال: لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة؟
1- هديه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وقضاء الحاجة
د. أحمد بن عثمان المزيد
1-هَديُهُ صلى الله عليه وسلم في الطَّهَارَةِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ[1] أ – هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في قَضَاءِ الحاجَةِ: 1- كان إذا دخلَ الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ» [ق]، وإذا…
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق
الشيخ محمد صالح المنجد
أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق سؤال: أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل عليهم السلام . فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك ؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من…
مجالس الحبيب: هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1
د. عادل الشدي
المجْلِسُ الثَّالث هَدْيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمضانَ 1-1 قَال الْإِمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ هَدْيُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيه [أَيْ فِي رَمضَانَ] أَكْمَلَ الْـهَدْيِ، وَأعْظمَ…

